فهرس الكتاب
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] . ثم ذكر الرجلَ يطيل السفر؛ أشعث أغبر (طويل الشعر، غير نظيف الوجه) يمد يديه إلى السماء: يا رب .. يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام وغُذِّي بالحرام، فأني (فكيف) يستجاب لذلك) [مسلم] .
وسُئِلَ إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول ولم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار ولم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان ولم تحاربوه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات ولم تعتبروا بها، وانتبهتم من نومكم فاشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم.
آداب السفر
كان سعيد بن يسار مع عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في سفر إلى مكة وكانا يسيران بالليل. فلما اقترب الفجر، نزل سعيد من على راحلته وصلى الوتر، ثم ركب وأدرك ابن عمر في الطريق. فسأله ابن عمر: أين كنت؟ قال: خشيت الفجر، فنزلت فأوترت. فقال ابن عمر: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ فقال سعيد: بلى، والله. فقال ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير. [مسلم] .
أمر الله -عز وجل- بالسياحة في الأرض، والنظر والاعتبار في آلائه ودقة صنعه وتَدَبُّرِ آثار الأمم السابقة. فقال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} [العنكبوت: 20] . وقال: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [الأنعام: 11] . وقال: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك: 15] . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سافروا تصحوا، واغزوا تستغنوا) [أحمد] .
وفي السفر فوائد كثيرة جمعها الشافعي في قوله:
تَغَرَّبْ عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرُّج همِّ، واكتساب معيشة وعلم، وآداب، وصحبة ماجد
وتتعدد أسباب سفر المسلم؛ فهو يسافر للحج والعمرة، أو لطلب العلم، أو للسعي وراء الرزق، أو لزيارة قريب أو صديق، وغير ذلك. ومن آداب المسلم في السفر:
النية الصالحة: المسلم يجعل من سفره قربة إلى الله باستحضار النية الصالحة، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) [متفق عليه] .
أن يكون السفر لما يحبه الله ويرضاه: قال صلى الله عليه وسلم: (ما من خارج من بيته إلا ببابه رايتان؛ راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته. وإن خرج لما يسخط الله