ومِنْهُ: ما لَوْ شَدَّ فِي وَسْطِهِ (زُنَّارًا) ؛ - وهُو الحِزامُ المُلَوَّنُ الخاصُّ بالكافِرِ لِيتَمَيَّزَ بِهِ عَن المُسْلِم - إنْ شَدَّهُ مُسْلِمٌ مَحَبَّةً لِذَلِكَ الدِّينِ وَمَيْلًا لأَهْلِهِ لاَ هَزْلاَ وَلَعِبًا حَرُمَ، وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَأَسِيرٍ عِنْدَهُمْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَ مَلْبُوسِهِمْ فَلاَ يَحْرُمُ قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ. انْتَهَى منْ مِنَحِ الجَلِيل شرحِ مُخْتصرِ خليل.
ومِنْهُ: الرِّضا بالكُفِر، قال فَي الفَوَاكِهِ الدّوَانِي شرحِ رِسالَةِ أبي زَيدٍ القَيروانِيِّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ إنَّمَا يَكُونُ كُفْرًا إذَا رَضِيَ بِهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ، لاَ مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ قَضَاهُ.
وَفِي حَاشِيَةِ العَدَوِيِّ عَلَى شَرْحِ كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِي: فَإِنْ قِيلَ: الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَالْكُفْرُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَهُوَ لاَ يَجِبُ الرِّضَا بِهِ؛ لأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ؟!، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْكُفْرَ مَقْضِيٌّ لاَ قَضَاءٌ، وَالرِّضَا إنَّمَا يَجِبُ بِالْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ. انتهى. وَنَقَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ عَنِ الغَزَالِيِّ رَحِمَهُ الله.
ومِنْهُ: ما لَوْ قالَ: إنْ فَعَلَ كَذا فَهُوَ يَهُودِيٌّ، أوْ إنْ قالَ كَذا فَهُوَ يَهُودِيّ، قالَ بَعْضُ الشافِعِيَّةِ: ظاهِرُ الحَدِيثِ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيهِ بالكُفْرِ إذا كانَ كاذِبًا، حَكاهُ النوَوِيُّ فِي المَجْمُوعِ ورَدَّه؛ وقال: وَالتَّحْقِيقُ التَّفْصِيلُ، فَإِنِ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَ مَا ذُكِرَ كَفَرَ، وَإِنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ فَيُنْظَرُ - فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ كَفَرَ - لأَنَّ إِرَادَةَ الكُفْرِ كُفْرٌ، وَإِنْ أَرَادَ البُعْدَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ، لكِنْ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا؟، الثانِي هُوَ الْمَشْهُورُ. انْتَهَى.
ومِنْهُ: مَنْ دَخلَ دارَ الحَرْبِ وكاَنَ يَسْجُدُ للصنَمِ؛ ويتَكَلَّمُ بالكُفْر، ثمَّ قالَ كُنْتُ مُكْرَها، حَكاهُ النوَوِيُّ فِي رَوْضَةِ الطالِبِينَ، وذكَرَ عن الشافِعيِّ رحِمَهُ اللهِ أنّهُ إنْ كانَ مَحْبوسًا أو مُقَيّدًا لَمْ يُحْكَمْ بكُفْرِهِ؛ وإنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشاهِدانِ للإكْراه (يَعْنِي الّذَينِ شَهِدا علَيْهِ بِذلك) ، ونَقَلَ النوَوِيُّ عن التَهْذيبِ للشيرازِيِّ تَفْصِيلًا: فَانِ فَعَلَهُ فِي مَكَانٍ خَالٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، وَإِنْ فَعَلَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ أَسِيرًا (يعْنِي لأَنَّ الأسيرَ مُكْرَهٌ) ؛ وَإنْ كَانَ تَاجِرًا فَلاَ.
ومِنْهُ: الاسْتِنْجاءُ بِوَرَقَةٍ فِيها اسْمٌ مَعَظَّمٌ مِنْ أسْماءِ الأنْبِياءِ أو المَلائكَةِ، كَما فِي حَوَاشِي الشَّرْوَانِيِّ مِنْ كُتُبِ الشافِعِيةِ؛ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ تَفْصِيلًا؛ وفَرَّقُوا بَينَ قَصْدِ تَنْجِيسهِ تَحْقِيرًا كَما لَو ألْقَى الوَرَقَةَ في الحُشِّ فَيكْفُر، وبَيْنَ كَوْنِهِ لا يَقْصِدُ مَعَ خَشْيَةِ التَّنَجُّسِ فَيَحْرُمُ؛ قالَ فِي الحاشِيةِ المَذكُورَةِ: أَمَّا عِنْدَ عَدَمِهَا بِأَنِ اسْتَجْمَرَ مِنَ البَوْلِ وَلَمْ يَخْشَ وُصُولَهُ إِلَى الْمَكْتُوبِ لَمْ يَحْرُمْ. انتهى.
ومِنْهُ: مَنْ وَقَفَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَتِ اليَهُودُ} ؛ وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} !، أَوْ: {وَقَالَتِ النَّصَارَى} ؛ وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: {المَسِيحُ ابْنُ اللهِ} !، أَوْ: {وَقََالَتِ اليَهُودُ} ؛ وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} !، أَوْ: {مَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} ؛ وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: {إِنِّي كَفَرْتُ} ، ذكَرَهُ فِي إعانَةِ الطالِبِينَ مِن كُتُبِ الشافِعِيَّةِ أيضًا عَنْ شَيخِهِ أحْمَدَ بِن زَيْنِي دَحْلانَ في كتابٍ لَهُ فِي التَجْويد؛ وذكَرَ عَن بَعْضِهِمْ إطْلاقَ القَوْلِ بِكُفْرِهِ! ورَدَّه، قالَ: وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُطْلَقُ القَوْلُ بِالتَّكْفِيرِ وَلاَ بِالحُرْمَةِ، بَلْ إِنْ كَانَ مُضْطَرًّا؛ وَابْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهُ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِمَعْنَاهُ لاَ يَكْفُرُ، وَإِنْ اعْتَقَدَ مَعْنَاهُ كَفَرَ مُطْلَقًا وَقَفَ أَمْ لاَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلاَمُ مَنْ أَطْلَق، فَإِنْ وَقَفَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ الْمَعْنَى حَرُمَ وَلَمْ يَكْفُرْ. انْتَهى.
فانْظُرْ - يا رَعاكَ الله - وتَعَلَّمْ: رَجُلٌ سَبَّ دِينَ رَجُل مِنَ المُسْلِمينَ!، ورَجُلٌ دَعا عَلَى مُسْلِمٍ أنْ يَمُوتَ كَافِرًا!، ورَجُلٌ شَدَّ فِي وَسَطِهِ (زُنارَ النصارَى) !، ورَجُلٌ رَضِيَ بالكُفْر!، ورَجُلٌ قال: إنْ فَعَلَ كَذا فَهُوَ يَهُودِيٌّ؛ أوْ قالَ كَذا فَهُوَ يَهُودِي!، ورَجُلٌ سَجَدَ للصَّنَمِ فِي دارِ الحَرْبِ وتَكَلَّمَ بالكُفْرِ!، ورَجُلٌ اسْتَنْجَى بِوَرَقَةٍ فِيها اسْمٌ عَظّمَهُ اللهُ تعالَى!، ورَجُلٌ ابْتَدَأ القرَاءَةَ بَقَوْلِهِ تعالَى: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} ؛ {المُسيحُ ابْنُ اللهِ} ؛ {إِنِّي كَفَرْتُ} !، لَوْ عُرِضَ هَذا وأَمْثالُهُ عَلَى كَثِيرِينَ مِن فَسائِلِ المُتَعَلِّمِينَ وأنْصافِهِمْ! لبَادَرَ الوَاحِدُ مِنْهُمْ بالقَوْلِ بِكُفْرِهِ وكُفْر مَن لَمْ يُكَفِّرْهُ قَبْلََ أنْ يَفْرُغَ السائِلُ مِن سُؤالِهِ!!؛ ظَنّا مِنْهُ أنَّ ذلكَ مِن الواضِحاتِ الجَلِيَّاتِ، وَأنَّهُ قَدْ جَمَعَ مِن أطْرافِ العِلْمِ ما غابَ عَمَّنْ سِواهُ، وما دَرَى المُسْكِينُ أنَّهُ فاتَهُ مِنْهُ