الصفحة 19 من 85

زُبْدَةُ البابِ؛ وضَيَّعَ مَحْضَ اللبابِ، ولَوْلا أنْ أُطِيلَ عَلَيكَ لأتَيْتُكَ بَعَشَرَةِ أضعافِ ما ذكَرْتُهُ لكَ مِن الأمْثِلَةِ، وما أَصْنَعُ بِذلكَ - لَوْ فَعَلْتُ - إِلاّ أنْ آتِيَ عَلَى بَعْضِ ما حُفِظَ عَن الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ الله.

وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَلُوحُ لكَ فَسادُ قَوْلِ مَنْ أَطْلَقَ القَوْلَ بِتَكْفِيرِ (حَماسٍ) لِتَصْرِيحِ بَعْضِ قادَتِها بالتِزَامِها مَبْدَأَ (الديمُوقْراطِيَّةِ) !، ونَحْنُ وإنْ كُنّا نُنْكِرُ علَى (حَماسٍ) هَذه التّصْرِحاتِ وأمْثالَها مِمّا يَصْدُرُ عَنْهُم؛ كما سَيأتِي إنْ شاءَ الله، إِلاّ أنَّ إنْكارَهُ شَيءٌ؛ وإطْلاقَ القَوْلِ بالتكْفِيرِ بِهِ شَيءٌ آخَرُ، فإنَّنا نَسْلُكُ بِهِ مَا ذكَرْناهُ لكَ مِن مَسالكِ الأئِمَّةِ رَحَمِهُمُ الله، فِإنَّ (الديموقْراطِيَّةَ) وإنْ كانَتْ فِي الأصْلِ نَهْجًا غَرْبِيًا ومُصطَلَحًا وافِدًا دَخِيلًا عَلَى شَرْعِ اللهِ تعالَى؛ وهِي فِي الأصْلِ عِنْدَ واضِعِها تَعْنِي (حُكْمَ الشَّعْبِ للشعْبِ) !؛ وأَنّها كَما يَقُولُ (بِيرْك) - وهُو صاحِبُ فَلْسَفَةٍ سِياسِيَّةٍ كانَ قَدْ ناصَبَ الثَّوْرَةَ الفِرَنْسِيَّةَ العَداءَ؛ وَصَنَّفَ كِتابًا اسْمُهُ (تَأمُّلاتٌ فِي الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ) ؛ نَشَرَهُ عامَ (1790) للميلاد: إِنَّ الأَغْلَبِيَّةَ سَتَكُونُ أَشَدَّ طُغْيانًا مِنَ الْمُلُوكِ!، وَإِنّ (الدِّيمُوقْرَاطِيَّةَ) سَتَنْحَطُّ إِلَى حُكْمِ الغَوْغَاءِ ... ، وهِيَ كَما يَقُولُ (جُونْسُون) سَتَكُونُ وبالًا؛ وسَخِرَ مِن دَعْوَتِها إلَى الحُرِّيَّةِ والمُساواةِ لأَنَّ الناسَ غَيْرُ مُتساوِينَ بَطَبْعِهِم ... ، أُقُولُ: إِنَّها وإنْ كانَتْ بالمَعْنَى الذي وُضِعَتْ لَهُ أَصْلًا شِرْكًا باللهِ فِي حُكْمِهِ - إِذ لا يَحِلُّ لِشَعْبٍ ولا حُكُومَةٍ ولا أُمَّةٍ أنْ تَبْتَغِيَ حُكْمًا غَيرَ حُكْمِهِ تعالَى - إِلاّ أَنَّنا نَسْلكُ مَعَ مَنِ اسْتَعْمَلَ هَذهِ اللفْظَةَ مِن المُسْلِمِينَ مَسالكَ الأئِمَّةِ فِي الألْفاظِ التِي سَبَقَتْ الإشارَةُ إلَى بَعْضِها، فالمُتَعَيِّنُ إيرادُ الأَوْجِهِ التِي يَحْتَمِلُها مُرادُ المُتَكَلِّمِ بالعِبارَةِ، فِإنْ أَرادَ المَعْنَى الذِي دَلَّتْ علَيهِ بِأصْلِ الوَضْعِ وهُوَ تَحْكِيمُ آراءِ البَشَرِ وأهْوائِهِمْ وتَقْدِيمُها علَى شَرْعِ اللهِ تَعالَى فَذلكَ كُفْرٌ يَقِينا، وإنْ قَصَدَ (بالديمُوقْراطِيَّةِ) مَبْدَأَ الشورَى الذي جاءَ بِهِ الشرْعُ وأنْ تُقامَ الحُكُومَةُ الإسلامِيَّةُ بَمُشاوَرَةِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ كَما يَصَرِّحُ بِهِ كَثِيرٌ من كِبارِ المُعاصِرِينَ كَما سَمِعْناهُ مِن بَعْضِهِمْ مُشافَهَةً ونُقِلَ لنا عَنْ آخَرين فَلا يَكُونُ كُفْرًا، وكَذلكَ إنْ كانَ مُرادُهُ كَما يَقُولُ آخَرُونَ أيْضًا: إنَّ (الديمُوقْراطِيَّةَ) احْتِرامٌ لإرادَةِ الشعْبِ؛ ونَحْنُ واثْقُونَ بأَنَّ الشعْبَ مُسْلِمٌ ولَنْ يَخْتارَ غَيرَ الإسلامِ ويُرِيدُونَ بِذلكَ أنْ يُثْبِتُوا تَمَسُّكَ الشعُوبِ الإسلامِيَّةِ بإسلامِها وأنَّ العِلْمانِيِّينَ المُحارِبِينَ للشرْعِ فِئَةٌ قَلَيلَةٌ مُتَسلِّطَةٌ بغَيْرِ حَقٍّ عَلَى الأمَّةِ؛ ومَتَى تُرِكَ الخِيارُ الحَقِيقَيُّ للأُمَّةِ بَعِيدًا عَن القَهْرِ والظُلْمِ نَبَذْتْهُمْ ورَاءَها ظِهْرِيًّا ولَفَظَتْهُمْ لَفْظَ النّواةِ؛ فَلا يَكُونُ كُفْرًا كَذَلكَ، فَإنْ أَرادَ أنَّ الناسَ مَخَيَّرُونَ! إنْ أرَادُوا حُكْمَ اللهِ فَحُكْمُ الله، وإنْ أرادُوا حُكْمَ الجاهِلَيَّةِ فَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ؛ أَوْ أَنَّهُمْ يَسَعُهُمْ الخُرُوجُ عَن شَرِيعَةِ اللهِ إلَى القانُونِ الوَضْعِيِّ إنْ اخْتارَت الأَغْلَبِيَّةُ ذلكَ؛ فَكُفْرٌ وشِرْكٌ باللهِ تعالَى فِي حُكْمِهِ.

وهَكذا لَمَّا وقَعَ القِتالُ فِي هَذهِ الفْتِنَةِ التِي قُتِلَ فِيها بَعْضُ المُجاهِدِين رَحِمَهُمُ الله، أَطْلَقَ بَعْضُهُم القَوْلَ بَتَكْفِيرِ (حَماسٍ) ؛ وَعَلَّلَ ذَلكَ بِأَنَّهُ قِتَالٌ فِي سَبِيلِ الطاغُوتِ!، وَهَذهِ إطْلاقاتٌ فاسِدَةٌ خارِجَةٌ عَن طَرِيقَةِ العُلَماءِ رَحِمَهُمُ الله، بل الواجِبُ هُو التفْصيل، فإنّ هَذا الذي قالُوهُ إِنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَو كانَ مَبْعَثُ القِتالِ عَداوَةً لدِينِ الإسْلامِ وإِدالَةً للكافِرِ علَى المُسْلِمِ، ولَيْسَ هَذا مُتَعَيِّنًا فِيما وَقَع، يُؤَيِّدُهُ أَنَّنا نَعْلَمُ مِن حالِ (حَماسٍ) - عَلَى ما فِيها - أَنَّها حَرَكَةٌ إسلامِيَّةٌ لَها يَدٌ طُولَى فِي قِتالِ البَهُودِ لَعَنَهُم الله؛ ولَها جُهُودٌ كَبِيرَةٌ فِي المُحافَظَةِ علَى إسلامِ الناسِ فِي تِلكِ البِلادِ ونَشْرِ الدَّعْوَةِ بَيْنَهُمْ؛ بَعْدَ أنْ كادَتْ مَعالِمُهُ تَنْدَرِسُ فِي تِلكَ الربوعِ لطُولِ عَهْدِها بالاحْتِلال، فَكَيْفَ يُسَوَّى بَيْنَ هذا وبَيْنَ مَنْ عُرِفَ عَنْهُ العَداءُ للدِّينِ والشرِيعَةِ؛ والسعْيُ فِي هَلاكِ أهْلِهِ؛ وتَسْليطُ الكافِرِ علَى بِلادِ الإسلامِ؛ وتَمْكِينُهُ مِن رِقابِ المُسْلِمينَ يَصْنَعُ بِهِمْ ما يَشاء؟!، وقَدْ تَجْتَمِعُ الحَسناتُ والسيِّئاتُ فِي المُسْلِمِ كَما ذكَرَ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي قاعِدَتِهِ المَشْهُورَةِ فِي الباب؛ فَيَكُونُ ذلكَ مِمّا يُوجِبُ حَمْلَ ما يَقَعُ مِن الزّلَلِ مِنْهُ علَى أَحْسَنِ المَحامِلِِ والتِماسِ العُذرِ لَهُ ما أمْكَنَ؛ وإنْ كانَ يُنْهَى عَن الوُقوعِ فِي مواطِنِ الشبُهاتِِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت