الصفحة 20 من 85

فَإنْ كانَ القِتالُ إنَّما وقَعَ لأَنَّهُمْ جَماعَةٌ مُسْلِمَةٌ بَأيدِيهِمْ مَقالِيدُ الأُمَورِ ومَنْ دَخَلَ هُناكَ مِنَ الصحَفِيِينَ والمُراسِلِينَ إنْما دخَلَ فِي جِوارِهِمْ وعَهْدِهِمْ وذِمَّتِهِمْ فَلَيْسَ هَذا القِتالُ قِتالًا للطاغُوتِ ولا كُفْرًا كَما قِيل، وقَوْلُنا هَذا لَيْسَ تَصْوِيبًا لِما وَقَعَ، ولا حُكْما لإحْدَى الطائِفَتَينِ علَى الأخْرى، فَإنَّ ذلكَ مَوقُوفٌ علَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ما جَرى فِي نَفْس الأمْر، بَلْ هُو جَوابٌ علَى مَنْ رَتَّبَ علَى ذلكَ القَوْلَ بِالتَكْفِيرِ، وأرادَ أنْ يُلْحِقَها بالطوائِفِ الخارِجَةِ عَنْ شَرِيعَةِ الإسلامِ.

نَعَمْ، والواجِبُ عَلَى (حَماسٍ) أنْ تَرْعَى حَقَّ اللهِ تَعالَى وحَقَّ المُسْلِمِينَ أوّلا، وأنْ تَخْشَى اللهَ تَعالَى ولا تَخْشَى الناس؛ فاللهُ أحَقُّ أنْ يَخْشَوْهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِين، ونَحْنُ وإنْ كُنّا نَقَدِّرُ ما هُمْ فِيهِ والمُسْلِمُونَ هُناكَ مِن ضِيقٍ وحِصارٍ وشِدَّةٍ؛ ورُبَّما انْتَفَى عَن المَرْءِ فِي بَعْضِ المَواطِنِ الخِيارُ فالتَحَقُ حُكْمُهُ بالمُكْرَهِ؛ إلاّ أنَّ الاعْتِصامَ باللهِ تَعالَى فِي هَذه المَواطِنِ هُو سَبيلُ النَّجاةِ، ومِنَ الاعْتِصامِ بِهِ سُبْحانَهُ إخْلاصُ المَوَدَّةِ للمُؤْمِنِينَ وتَوْثِيقُ عُرْوَةِ المَوَدَّةِ الإيمانِيَّةِ عَلَى أساسِ الإسلامِ والتَوحِيدِ؛ لا علَى أساسِ العَصَبِيَّةِ لِحِزْبٍ أو طائِفَةٍ أو جَماعَةٍ مِن الناس، وهَؤلاءِ الشبابُ المُجاهِدُونَ هُمْ دِرْعُ الإسلامِ وحِصْنُهُ، وعلَيْهِم بَعْدَ اللهِ تعالَى المُعَوَّلُ فِي حَمْلِ رايَةِ الجِهادِ لِدَحْرِ العَدُو الصائلِ مِن اليَهُودِ وأولِيائِهِ مِن الصلِيبِيينَ، وأيْضًا فَإنَّ ما يُسْمَعُ مِنْهُمْ مِن التًصْرِيحاتِ والأقْوالِ عَلَى طِرِيقَةِ الساسَةِ الذينَ لا يَرْفَعُونَ بِدِينِ الإسلامِ رَأسًا!!؛ فَذلكَ - مَعَ كَوْنِهِ مِمَّا نَهَى اللهُ تَعالَى عَنْهُ - فَإنَّهُ مِمّا لا يُجْدِي شَيئًا، والأصْلُ أنْ يُكُونُوا أعْرَفَ الناسِ بِذلكَ؛ خاصَّةً بَعْدِ أحْداثِ غَزَّةَ الأخِيرة، فَإنّهُ عِبْرَةٌ لَهُمْ لَو كانُوا يَعْتَبِرُون، وهُمْ إنْ كانُوا يَطْلُبُونَ حَقا أو عَونًا علَى حَقٍّ أو يَرْتَجُونَ ذلكَ عِنْدَ أُمَمِ الغَرْبِ فَإنَّما يَسْعَونَ وراءَ سَرابٍ لَيسَ يَزِيدُهُمْ إلا ظَمَأً!.

وعلَى المُسْلِمينَ هُناكَ جَمِيعًا أنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فإنَّ مِثْلَ هَذه الفِتَنِ تُوغِرُ الصدُورَ، خاصَّةً والبلادُ كَثِيرَةُ العشائرِ والقبائلِ، وفِي ذلكَ مَنْفَذٌ لِعَدُوِّ الدينِ كَما صَنَعَ الإنْجلِيزُ أيامَ احتِلالِ فِلَسطينَ الذي مَهْدَ لِدَولَةِ اليَهُود، ولا يَزالُ يَصْنَعُ هَذا فِي كَثيرٍ من أمصارِ المُسْلِمين.

وعلَى الإخْوانِ هُناكَ حَفِظَهُمُ اللهُ أنْ يَقْدُروا للأُمورِ حَقَّ قَدْرِها، ومِن السياسَةِ الشرْعِيةِ أنْ يُتْرَكَ الشيءُ لِما هُو أولَى مِنْهُ، وماذا علَى المُجاهِدِينَ لَوْ وَفَّرُوا جُهْدَهُمْ فِي المَواضِعِ المُتَّفَقِ علَيْها ودُونَهُمْ عَدُوٌّ لا يُنازِعُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ؟!، وماذا يَضِيرُهُمْ لَوْ تَرَكُوا ما يَقَعُ الخِلافُ حَوْلَهُ ويُؤَدِّي بِهِمْ إلَى مِثْلِ ما وَقَعَ فِي هَذه الحَوادِثِ؟!، ولَيْسَ كُلُّ ما جازَ فِعْلُهُ وَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَفْعَلَهُ، بَلْ قَدْ يُتْرَكُ الجائِزُ لِمَصْلَحَةٍ تَقْتَضِيهِ، وقَدْ يُتْركُ الواجِبُ لما هُو أوجَبُ مِنهُ؛ وحذرا مما يُفْضي إلَيهِ من المَفاسد، فَيكُونُ تَرْكهُ حينئذٍ واجِبًا.

واعلَمْ أنّ الجهْلَ بالسياسَةِ الشرْعِيَّةِ التي يَجِبُ اتباعُها فِي مثْلِ هذه المواطِنِ يُفْضِي إلى آصارٍ وأغْلالٍ لَمْ يكَلْفْنا الشرْع

بِها أصلًا؛ كما كتَبْتُ بذلكَ إلى بَعْضِ العُلَماءِ فِي رِسالَةٍ وضَعْتُها مِفْتاحًا لِكِتابٍ مُوعِبٍ فِي نَوازلِ السياسَةِ الشرعِية إن شاء الله؛ قُلْتُ فِيه:

وقَدْ تأمَّلْتُ طَويلًا فِي أحْوالِ العامِلِينَ لدِين الإسلامِ جماعاتٍ وأفرادَا، فَرَأيتُهُم في كَثيرٍ من المواطِنِ يَبْذُلُونَ الغالِيَ والنفِيسَ فِي سَبيلِ التَّمْكِينِ لدينِ الإسلامِ، فَكمْ بَذلوا من الدماء والنفوسِ والأعمارِ والأموالِ في سبيلِ ذلكَ!؛ وهوَ عندَ اللهِ تعالَى لا يَضيع، غَيْرَ أنَّهُمْ مَتى حانَ وقْتُ الحَصادِ وقَطْفُ الثمارِ؛ وبَلغَتِ الأُمُورُ إلَى دَهالِيزِ السياسَةِ جَنَى الثمَرَةَ غَيرُهم، وتَوَلَّى القِطافَ مَنْ لمْ يَبْذُلْ في تَحْصيلهِ فَتِيلًا!، فاسْتَوقَفَنِي هذا عِنْدَ النظَرِ في أسبابِهِ مرَّاتٍ ومراتٍ؛ فَرَأَيْتُ الجَهْلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت