الصفحة 33 من 85

وهذا المَعْنَى الذي أَشَرْنا إليْهِ من المَعانِي الذي دَلِّتْ عَلَيْهِ السياسَةُ الشرْعِيَّة؛ فَيُؤْخَذُ مِنْ قَولِ النبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ لأصْحابِهِ: إنما أنا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكُمْ!؛ وهكذا شأنُ المُصْلِح؛ وهِيَ جُمْلَةٌ مُخْتَصَرَةٌ فِيها مِنْ سِياسَةِ الناسِ بالشرْعِ عِلْمٌ كثير!، ونَحْوُها قَوْلُ الأوزاعِيِّ الإمامِ لِبَعْضِ الخُلَفاء: إِنَّما السلطانُ والد!؛ كما فِي وَفِيَّاتِ الأعْيانِ لابْنِ خَلِّكان، وفِي صَيْدِ الخاطِرِ فَصْلٌ مُهِمٌّ فِيما يَنْبَغِي علَى السلطانِ مِنْ تَجَنُّبِ التحَيُّزِ وإظْهارِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنْ جَمْعِ الكَلِمَةِ أوْلَى مِنْ ذلك.

والجامِعُ بَيْنَ العالِمِ والسلْطانِ أنَّ كِلَيْهِما مِنْ أُولِي الأمْرِ؛ خاصَّةً عِنْدَ غِيابِ السلطانِ القائِمِ عَلَى دِينِ اللهِ وشَرْعِهِ، فإنَّ الأمُورَ مَوْكُولَةٌ حينَئِذٍ إلى أهْلِ العِلْمِ, (كما فَصَّلْناهُ في سّلِّ الحسام) ، نَعَمْ، لا تَعارُضَ بَيْنَ هذا وبَيْنَ بَيانِ ما أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ منَ الحَقِّ للناسِ وما حَرَّمَ مِنْ كِتْمانِهِ، لكنَّهُ راجِعٌ إلى فِقْهِ قَواعِدِ المصالِحِ والمَفاسدِ؛ والتي هِيَ مِنْ أعْظَمِ قواعِدِ الشرْعِ.

وأيْضًا فإنَّ غِيابَ سُلطانِ الإسْلامِ الذي يَسْتَظِلُّ الناسُ بهِ أثْمرَ مِن التفَرُّقِ ما حَيَّرَ الألْبابَ وأطالَ وُقُوفَ العُلَماءِ عِنْدَهُ؛ وأنْ يُدْلِيَ كلٌّ بِدَلْوِهِ فِي عِلاجِهِ ودَفْعِهِ، ومعَ ذلكَ فلا تَرى إلا الأسْماءَ والألْقابَ تَنْسِلُ مِنْ كلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ؛ وكأنّما تَعاوَرَ (تَعاوَنَ) على تَكْثِيرِها الليلُ والنهار!!؛ حتَى كادَ الناسُ يَقُولُون: إن الفُرْقَةَ داءٌ لا دَواءَ له!.

ولَيْسَ الأمْرُ كما ظَنُّوا؛ لكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى رُكْنَيْنِ:

الأول: سُلْطانٍ ياوِي إلى كَنَفِهِ الصغيرُ والكَبِير، وبِهذا تَعْلَمُ قَدرَ الكَيْدِ والمَكْرِ الذي بَذَلَهُ عُدُونا في إزالَةِ الخِلافَةِ الجامَعَةِ لأُمَّةِ الإسلامِ، وإزالَةِ رُوحِها وقِوامِها التي هِيَ الحُكْمُ بَشَريعَةِ الإسلام.

والثانِي: عِلْمٍ يُبَدِّدُ ظُلُماتِ الجَهْلِ، ويَشْمَلُ العِلْمَ بأحكامِ الإسلامِ الدينِيَّةِ الشرْعِيَّةِ؛ والعِِلْمَ بِسُنَنِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ، فإنَّ النزاعَ والشقاقَ يَنْبُتُ في مَرْعَى الجَهالَةِ!؛ وعلى قَدْرِ الثانِي يَكُونُ الأوَّل.

وكلُّ ما يُقالُ في عِلاجِ أسبابِ التنازُعِ فَهُوَ راجِعٌ إلى ما ذكَرْناهُ لكَ، كما عَرَفْنا ذلكَ بالبراهينِ العِلْمِيَّةِ؛ وشَهِدْناهُ بالتَّجْرِبَةِ العَمَلِيَّةِ في دَوْلَةِ (الطالِبان) .

وقَدْ آثَرْتُ فِي هذهِ الرسائلِ أنْ أُقَيِّدَ السوانِحَ والخَواطِرَ مِنْ رأسِ القَلَمِ لِتَكُونَ أقْرَبَ للفَهْمِ وأسْهلَ عَلَى عامَّةِ القرَّاءِ والمُطالِعينَ، أما تَتَبُّعُ الدقائقِ واستِيعابُ البحْثِ فِي هذه المسائلِ وغَيْرِها فَمَحَلُّهُ (أرائكُ الحِكْمَةِ) إنْ شاءَ الله.

والمَقْصُودُ أنَّ دَوْرَ العُلَماءِ المُصْلِحينَ فِي البَحْثِ عن العِلَلِ والأدْواءِ وعِلاجِها مَنوطٌ بِبَقائِهِمْ في مَعْزِلٍ عن التاَثُّرِ بِتِلْكَ الأدْواءِ ما أمْكَن!؛ وهذا مِنَ الوُضُوحِ في مَقامٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى إقامَةِ البراهِينِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ.

نَعُودُ إلى ما قَصَدْناهُ أَصالَةً؛ فَنَقُول:

حَيْثُ وُجِدَ العِلْمُ بَعْدَ تَقْوى اللهِ تعالَى فَهُوَ الفَيْصَلُ الذي يَنْبَغِي أنْ يُحْتَكَمَ إليْهِ؛ ولا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ إنْ قَلَّ العِلْمُ أو اضْمَحَلَّ أحدَثَ الناسُ مِنَ المقايِيسِ والموازِينِ على قَدْرِ ما فقَدُوا مِنَ العِلْم!.

وأخْطَرُ ما فِي الأَمْرِ تَرْبِيَةُ الناشِئَةِ عَلَى المُحْدَثِ مِن المَوازِينِ؛ وغَرْسُهُ فِي نُفُوسِ الأَتْباع؛ حتَّى تُصْبِحَ مَِنَ الأصُولِ الثوابِتِ؛ والقَواعِدِ المُسَلَّمِ بِها؛ فلا تَقْبَلُ الاعْتِراضَ ولا إعادَةَ النَّظَر!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت