وأَكْثَرُ ما أَنْتَ راءٍ ذلكَ فِي حَقْلِ الدَّعْوَةِ الإسلامِيَّةِ عامَّةً؛ وفِي طَوائِفِ المُتَحَزِّبِينَ مِنْهُمْ خاصَّةً، فَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ قَدْ عَكَفُوا عَلَى كَبِيرٍ لَهُمْ؛ واتَّخَذُوا اسْمًا مِنَ الأَسْماءِ يَمتازُونَ بِهِ عَمَّا سِواهِمْ، ويُلَقِّنُ المَتْبُوعُ التابِعَ كُلَّ ما يَراهُ!؛ سِيَّانِ عِنْدَهُمْ ما كانَ فِي أبْوابِ الاعْتِقاداتِ، أو مِنَ المسائلِ الفِقْهِيَّاتِ العَمَلِياتِ، فلا يَزالُونَ بِهِمْ؛ يُرَدِّدُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ ويُكَرِّرُونَهُ علَى مَسامِعِهِمْ، حَتَّى يَصِيرَ كُلُّ مَنْ خالَفَ شَيْئًا مَمَّا هُمْ عَلَيْهِ؛ يُنْسَبُ إلى مُخالَفَةِ المَنْهَجِ والخُرُوجِ عَنْه!؛ ورُبَّما نُسِبَ إلى البِدْعَةِ فِي الدينِ، أو تَعاظمَ الجَهْلُ فَرُمِيَ بالكُفْرِ؛ أو يَكادُ؛ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله.
والمَتْبُوعُونَ في أكْثَرِ هَذهِ الأحْوالِ يتَعَمَّدُونَ إبْقاءَ التابِعِ عَلَى ما هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ؛ ويَرْضَوْنَ لَهُ مِنَ العَلْمِ ما لا يُخالِفُ ما هُمْ عَلَيْهِ، وكَأنَّ ما يُقُولُونَهُ هُوَ المَتْنُ وما يُرَدِّدُهُ التابِعُ؛ غَايَتُهُ أنْ يَكُونَ شَرْحًا له!؛ شَأنُ المُقَلِّدَةِ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة.
والحامِلُ لَهُمْ عَلَى ذلكَ؛ والذِي أَدَّى إلَى مِثْلِ هَذا الخَلَلِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ:
مِنْها؛ وهُو الأولُ: أنَّ المَتْبُوعَ في غَالِبِ الأحْيانِ سُوِّدَ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّدٍ، لا بِسابِقَةِ عِلْمٍ ولا تَقَدُّمِ هِجْرَةِ ولا كِبَرِ سِنٍّ؛ ولا غَيْرِ ذلكَ مَنَ الفضائلِ الداعِيَةِ إلى التَقْديم، فَيَعُدُّ ما هُوَ فيهِ حَقًا خالِصًا لَه؛ فلا يَرْضَى أنْ يُنازِعَهُ غَيْرُهُ فيه؛ أو يَهْلِكَ دُونَه.
ومِنْها؛ وَهُو الثانِي: أنْ يَغْلِبَ على المَتْبُوعِ الجَهْلُ؛ وإن ظَنَّ التابِعُ غَيْرَ ذلك، فلا يَرَى فَيمَنْ يَتَقَدَّمُهُ في العِلْمِ أو يَفُوقُهُ في التجْرِبَةِ والفَهْمِ إلا فاضِحًا لأمْرِهِ؛ كاشِفًا لِسِرِّهِ، وقَدْ سَمِعْتُ مِرارًا مِنْ هؤلاءِ مَنْ يَقُول: نَحْنُ لا يَصْلُحُ لَنا المُتَعَلِّمُونَ! ولا أنْصافُ المُتَعَلِّمِينَ؛ بل الصغَارُ الذينَ لا عِلْمَ عَنْدَهُمْ؛ لأنَّهُمْ أسْهَلُ قِيادًا؛ وأعْظَمُ مُياسَرَةً مِمَّنْ سِواهِم!.
ومِنْها؛ وهُو الثالِثُ: أنَّ استِشْعارَ الفِصامِ والانْعِزَالَ عَنْ جَسَدِ الأُمَّةِ أدَّى إلى ما تَراهُ، خاصَّةً مَعَ ازْدِيادِ رُوحِ التنافُرِ والتَّصادُمِ بَيْنَ فِئاتِ الدُّعاةِ والعُلَماءِ والعامِلِينَ للإسلامِ في مَواطِنَ كَثِيرةٍ، وعَجْزِ كَثِيرٍ مِنْ حَمَلَةِ العِلْمِ والهُدَى عَنْ خِطابٍ يُوصِلُهُ للناسِ؛ بَعِيدًا عَنْ تِلكَ العَوائقِ والعَقَبات.
لَيْسَ المَطْلُوبُ السكُوتَ عَنْ بَيانِ الحَقِّ وتَبْلِيغِهِ للناس؛ ولا التَّقارُبَ الذي يَكُونُ على حِسابِ الدينِ فَيُضَيِّعُ الأُصُولَ ويَهْدِمُ المَبادِئَ؛ كَما يُنادَى بِهِ في هَذه الأيامِ، بَلْ تِلكَ بِدْعَةٌ ضلالَة، نَبْرأُ إلى اللهِ تَعالَى مِنْها، لكِنَّنا أيْضًا لا نُرِيدُ أنْ نَكُونَ على النَّقِيضِ مِنْ ذلك؛ فَنَسْتَعْدِيَ الصغِيرَ والكَبِيرَ؛ والقريبَ والبَعِيد؛ ونَسْتَعِيرَ لِمَواقِفِنا سَيفَ الحجّاجِ ولِسانَ ابْنِ حَزْم!؛ فَإنَّ اللهَ تعالَى قالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ؛ فتأَمَّلْ في هذه الآيةِ التي نَزَلَتْ في شانِ أحُدٍ؛ وتأَمّلْ حالَ النَّبِيِّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَعَ أصْحابِهِ يَوْمَها؛ وقَدْ فَرَّ عَنْهُ مَنْ فَرَّ؛ وحَصلَ لَرَسُولِ اللهِ صَّلى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ ما حصَل؛ وأُحِيطَ به؛ وأرادَ أعْداءُ اللهِ النيْلَ مِنْه؛ وبَقِيَ صَلُواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيْهِ ثابِتًا حتى عادُوا إلَيْهِ؛ واجْتَمَعُوا لَدَيْهِ؛ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا مِنْهُمْ؛ ولَمْ يَلُمْهُمْ؛ مَعْ أنَّ الذي وقَعَ