الصفحة 35 من 85

مِنْهُمْ يَسْتَحِقُّ المَلاَمَةَ وَالتَّعْنِيفَ بِمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، ولكِنَّهُ مَعَ ذلكَ واساهُمْ وصَبَّرَهُمْ!؛ واستَغْفَرَ لَهُمْ وعَفَا عَنْهُمْ صَلَواتُ اللهُ وسلامَهُ علَيه.

بلْ المَطْلُوبُ أنْ نُراعِيَ الفَرْقَ بيْنَ مَراتِبِ الخلاف؛ فَنَعِيَ ما يُحْتَمَلُ فِيهِ الخَلافُ وما لا يُحْتَمَل، وَمَراتِبَ إنْكارِهِ، والفَرْقَ في ذَلكَ بَينَ العالِمِ والجاهِل، والفَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَصَدَ الحَقَّ فأَخْطأَهُ؛ ومَنْ عُرِفَ عَنْهُ السَّعْيُ بالباطِلِ ومُعاداةُ الإسلامِ وأهْلِه، والفَرْقَ بَيْنَ أثَرِ المُخالَفَةِ في الإنْكارِ وما تُوجِبُهُ مِنَ السَّعْيِ في الإصْلاحِ؛ وبَيْنَ أثَرِها عَلَى المُوالاةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ المُنْعَقِدَةِ بأَصْلِ الأخُوَّةِ في الدين، والفَرْقَ بَيْنَ ما يَنْبَغِي المَبادَرَةُ بإنْكارِهِ وبَيْنَ ما يَنْبَغِي السكُوتُ عَنْهِ إلى حِينٍ لِضَرُورَةٍ داعِيَةٍ؛ أَوْ مَصْلَحَةِ مَرْجُوَّةٍ؛ أوْ حَذَرًا مِنْ إفضائِهِ إلى مُنْكَرٍ أعْظَمَ مِنْه، وغَيْرَ ذلكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى قَواعِدِ الشرْعِ وأُصولِهِ.

رأَيْتُ في تَرْتِيبِ المَدارِكِ أوْ غَيْرِهِ أنَّ السَّلَفَ رَحِمَهُمُ اللهُ كانُوا يَقُولُون: لا يَعْرِفُ التِّلْمِيذُ قَدْرَ شَيْخِهِ حَتَّى يَسْمَعَ مِنْ غَيْرهِ، وهذا صَحِيحٌ لا غُبارَ عَلَيه؛ وأنْتَ تَرَى كُلَّ مَنْ أَخَذَ عنْ شَيْخٍ وصَفَهَ بالإمامِ والعلاَّمَةِ والبَحْر، وقَلَّ أنْ تَجِدَ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ المُبالَغَةِ في وَصْفِ الشيوخِ وياتِيَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ دُونَ زِيادَةٍ ولا نُقْصان، لأّنَّ مَدْحَ الإنْسانِ شَيْخَهُ يَتَضَمَّنُ مَدْحَهُ نَفْسَهُ ولَوْ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ!؛ معَ أنهُ لا يَلْزَمُ مِنْ تَمَكُّنِ الشيخِ من العِلْمِ أنْ يَكُونَ التلْمِيذُ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ أيضًا؛ لكِنَّ انْتِسابَ الإنْسانِ إلى ما أَلِفَهُ مُحَبَّبٌ إلَيْه، ولذا تَرى المُقَلِّدَ يُنافِحُ عَنْ شَيْخِهِ وآراءِ شَيْخِهِ بِكُلِّ ما سَنَحَ لهُ مِنَ الحُجَجِ؛ ولو كانَتْ أضْعَفَ مِنْ حُجَجِ النَّحاةِ كما يُقال!.

فإنْ حالَفَهُ تَوفيقُ اللهِ؛ وتَحَرَّرَ مِنْ رِبْقَةِ التقليدِ ونَظَرَ في غَيْرِ ما أَلِفَ وتَعَوَّدَ حَصَلَتْ المُقارَنَةُ والمُوازَنَةُ؛ وازدادَ بَصِيرَةً بَمَواضِعِ المَحاسِنِ والمساوئِ؛ فَرجَعَ إلى ما يُحْمَدُ وعَدَلَ عَمَّا يُذَمٌّ، ألا تَرَى أنَّ أبا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ لما فارَقَ أبا حَنِيفَةَ ورَحَلَ إلى المَدينَةِ فَلَقِيَ ما لِكًا رَجَعَ عن كثيرٍ منْ أقْوالِ شَيْخِه إلى قَوْلِ مالكٍ رَحِمَهُ الله كما في مسائلِ الأوْقافِ؛ وفي الْمُدِّ والصاعِ حينَ ناظرهُ مالكٌ على مَذهبِ أهْلِ العِراق لِشَهادَةِ أهْلِ المَدينَةِ على ذلك؛ وفي صَلاةِ الجُمُعَةِ بَعَرَفَةَ؛ وغَيْرِها منَ المسائل.

وما يَقَعُ في التَّعَصُّبِ المَذْهَبِيِّ المَقِيتِ؛ يَقَعُ مِثْلُهُ وأضعافُهُ في التَّحَزُّبِ المُمِيتِ، ويزْدادُ هذا خَطَرًا إنْ كانَ التَّحَزُّبُ عَلَى خِلْوٍ مِنَ العِلْمِ صِفْرِ اليدَيْنِ مِنْهُ، فلا تَسَلْ حِينَ ذلكَ عنْ عِظَمِ جِنايَةِ هؤلاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ أولًا وعلى الأُمَّةِ ثانِيًا؛ واللهُ يفعَلُ ما يَشاء.

ومِنْها؛ وَهُو الرابِعُ - وهُوَ مِنْ أكْبَرِ مُشْكِلاتِنا - تِلكَ المَسافَةُ التي أوْجَبَتْ تَباعُداَ بَينَ العِلْمِيِّ النظَرِيِّ والحُضُورِ الواجِبِ في مَيادينِ العَمَل، والتَّبِعَةُ الكُبْرَى في هذه عَلَى حَمَلَةِ العِلْمِ؛ وَيَنْتَظِمُها وجْهان:

الأَوَّل: العُزُوفُ والإعْراضُ بالكُلِّيَّةِ عمّا لا يَسَعُهُمْ تَرْكُهُ ويَتَعَيَّنُ علَيْهِمُ النظَرُ فيه، والانْشِغالُ عنْهُ بما المَتْرُوكُ أوْلَى مِنْهُ وأَحقُّ!، فَخَلَّوْا أشدَّ الثغُورِ خَطرًا وأعْظَمَها ضَرَرًا؛ حتى صارَ المُسْلِمُ فِي حَيْرَةٍ بَيْنِ أمْرَيْن: بَينَ حالِهِم الذي يَراهُ ولِسانِ حالِهِم القائلِ: لا ضَيرَ!، وبَيْنَ ما يَراهُ ويَشْهَدُهُ من الكَيْدِ الذي لا يَنْقَطِع؛ وحُصُونِ الإسلامِ التي تُهْدَمُ وَاحِدَةً تِلْوَ الأخْرى!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت