والثانِي: الاقْتِصارُ فِي كَثِيرٍ مِن الأَحْيانِ عَلَى الوُقُوفِ عِنْدَ ظَواهِرِ الأُمُورِ؛ دُونَ البَحْثِ فِي حَقائِقِها؛ والنَّظَرِ فِي مَبْعَثِ عِلَلِها وأَسْبابِها، ومَرَدُّ ذلكَ فِي الغالِبِ إلَى القُصُورِ فِي الآلَةِ العِلمِيَّةِ التِي تُؤَهِّلُ الناظِرَ للوُصُولِ إلَى المُطْلُوبِ، وذَلكَ أَظْهَرُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَصالِحِ الكُلِّيَّةِ العامَّةِ مِن المَصالِحِ الجُزْئِيَّةِ الخاصَّةِ، فَإنَّ التَّطَوُّرَ الذِي طَرَأَ عَلى حَياةِ الأُمَمِ والشعُوبِ فَأفْضَى إلَى انْفِتاحِ كُلٍّ مِنْها عَلى الآخَرِ؛ وإِلَى التَّبادُلِ العِلْمِي والمَعْرِفِي والثَّقافِي؛ وإلَى كَثْرَةِ المَواطِنِ التَي تَلْتَقِي المَصالِحُ فِيها اوْتَفْتَرِقُ؛ حَتَّى أَصْبَحَ العالَمُ بِمَنْزِلةِ ساحَةٍ واحِدَةٍ مَكْشُوفَةٍ للناظِرِينَ، كُلُّ ذلكَ يَفْرِضُ عَلَى مَن يَتَصَدَّرُ للبَحْثِ فِي نازِلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ العامَّةِ (عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ) أنْ يُلِمَّ بِكَثِيرٍ مِن المَعارِفِ والعُلُومِ التِي لَمْ يَكُنْ يُحْتاجُ إلَى مِثْلِها فِيما سَبَقَ، وهَذا أمْرٌ لَهُ تَعَلُّقٌّ بِالاجْتِهاد فِي فِقْهِ السِّياسِةِ الشرْعِيَّةِ؛ ولا يَسَعُنا الآنَ الحَدِيثُ عَنْهُ، والمَقْصُودُ هُنا أنَّ هَذا القُصُورَ أَفْضَى إِلَى ضَعْفٍ ظاهِرٍ فِي مُعالَجَةِ المُشْكِلاتِ الكُبْرَى الطارِئَةِ علَى حَياةِ المُسْلِمِينَ.
وإِنَّما أَشَرْنا إلَى هَذِهِ العِلَلِ؛ لأَنَّنا نَرْمِي فِي رِسالَتِنا هَذهِ إلَى مُعالَجَةِ ظاهِرَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ مُهِمَّةٍ؛ نُصَحِّحُ مَعَها مَوازِينَ الفُرْقانِ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ، حِرْصًا عَلى ما يُبْذَلُ مِن التّضْحِياتِ فٍي سَبِيلِ الدعْوَةِ إلَى اللهِ تعالَى أولًا، ولأَنّ اخْتِلالَ المِيزانِ يُفْضِي ولا بُدَّ إلَى آصارٍ وأغْلالٍ تُعِيقُ المَسِيرَةَ ثانِيًا، وتَجْعَلُ مِن ثَمَّ جُهُودَنا نُهْبَةً للطامِعِينَ، ومِن مَحاسِنِ دِينِ الإسْلامِ أَنَّهُ جَمَعَ بَينَ الأَصالَةِ والوُضُوحِ فِي أُصُولِهِ وقَواعِدِهِ؛ وبَينَ اليُسْرِ فِي تَكالِيفِهِ وأحْكامِهِ، ويَتَفَرَّعُ عَن هَذا بابٌ مِن فِقْهِ الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ تعالَى دَقِيقٌ؛ نَحْنُ فِي أَشَدِّ الحاجَةِ إلَيهِ.
ولا شَكَّ أنَّ دِينَ الإسْلامِ فِي رَسُوخِ عقائِدِهِ وثَباتِها؛ وَأَنَّهُ لا يَتِمُّ إسلامُ أَحَدٍ إِلاَّ بِأنْ يَكْفُرَ بِكُلِّ دِينٍ جاهِلِيٍّ سِواهُ؛ وأنْ يُسْلِمَ الوَجْهَ للهِ سُبْحانَهُ؛ لا شَكَّ أنَّ حامِلَهُ سَيَكُونُ غَرَضًا لِعَبِيدِ الأَهْواءِ من البَشَرِ، لأَنَّ الإسلامَ يَحُولُ بَينَ هَؤلاءِ وبَيْنَ الهَوى المَعْبُودِ من دُونِ اللهِ، وأيْضًا فَإنَّ المُتَعَيِّنَ علَى المُسْلِمِ أَنْ يَبْرأَ إلَى اللهِ تَعالَى مِن أولئكَ العَبِيدِ ومِمّا يَعْبُدُون، كما قالَ سُبْحانَهُ فِي الأَنْعامِ: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} ؛ وقالَ فِي التَّوْبَةِ: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} ؛ وفَرْضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَبْرأَ مِمّنْ بَرِئَ مِنْهُ اللهُ تَعالَى ورَسُولُهُ صَلَواتُ اللهُ وسَلامُهُ علَيهِ، ولِذا كانَ هَذا مِن مِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ علَيهِ وعَلى نَبِينا الصلاةُ والسلامُ؛ وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيهِ السلامُ مَثَلًا فِي اليَقِينِ باللهِ والغَضَبِ لهُ؛ كما قالَ تعالَى: {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} ، فَلأَجْلِ هَذا كانَ الابْتِلاءُ الذِي يُصِيبُ الرُّسُلَ وأَتْباعَهُمْ سُنَّةً كَوِنِيَّةً قَدَرِيَّةً لا مَفَرَّ مِنْها، والشرْعُ قَدْ هَيَّأَ النُّفُوسَ لِذلكَ؛ وَوَطَّنَها علَيْهِ، ووَعَدَ الصابِرِينَ الأجْرَ والمَثُوبَةَ؛ وحُسْنَ العاقِبَةِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذلكَ كَثِيرٌ فِي كِتابِ اللهِ تعالَى بِذكْرِ قَصَصِ الأنْبِياءِ والصالِحِينَ؛ وما امْتُحِنُوا بِهِ من ذلكَ؛ وبَيانِ عاقِبَةِ صَبْرِهِمْ، وبِذكْرِ الآياتِ الدالَّةِ علَى هَذهِ السُّنَّةِ التِي يُمْتَحَنُ بِها الصادِقُونَ وتَتَمَيَّزُ بِها مَعادِنُ الخَلِيقَةِ، ويُنْفَى بِهِا الخَبَثُ؛ ويَخْلُصَ الطَّيِّبُ، وهكذا البَيانُ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ.
وتَرْبِيَةُ الأَتْباعِ عَلَى الصَّبْرِ عَلى مشاقِّ الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ تعالَى وتَحَمُّلِ تَبِعاتِها أمْرٌ ضَرُورِيٌّ لأَنَّهُ مِن أَزْوادِ الطَّرِيقِ، لكِنَّ غِيابَ العِلْمِ فِي كَثِيرٍ مِن المَواطِنِ؛ جَعَلَ مِن الابْتِلاءِ دَلِيلًا علَى الحَقِّ وَفُرْقانًا يُعْقَدُ الوَلاءُ والبَراءُ عَلَيْهِ، حَتَّى كأنَّ القَوْمَ لَيَظُنُّونَ أنَّ تَضْيِيقَ الشرْعِ علَى المُسْلِمِ وإيقاعَهُ فِي الحَرَجِ العَظِيمِ مِن مَقاصِدِ الشرْعِ!، مَعَ أنَّ شَرِيعَةَ الإِسْلامِ جاءَتْ بِرَفْعِ الحَرَجِ عَن المُكَلَّفِينَ؛ حَتَّى صارَتْ هَذهِ القاعِدَةُ مَعَ قوَاعِدِ التَّيْسِيرِ عِنْدَ الضرُورَةِ مِن مَقاصِدِ الشرِيعَةِ؛ ومِنْ أعْظَمِ القَواعِدِ فِي الفِقْهِ