الصفحة 37 من 85

الإِسْلامِيِّ، وفِي الحَدِيثِ الصحِيحِ: أحَبُّ الدِّينِ إلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ، علَّقَهُ البخارِيُّ فِي الصحِيحِ؛ ووَصَلَهُ فِي الأدَبِ المُفْرَدِ، ورَواهُ أحمَدُ وغَيرُهُ، وفِي حَديثِ البخارِيِّ أيضًا: إنَّ الدينَ يُسْرٌ، فَهَذِهِ الأحاديثُ وما فِي مَعناها؛ تَدُلُّ - كما فِي حاشِيَةِ العَطّارِ عَلَى الجَلالِ - عَلَى بِنَاءِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ وَالتَّوْسِيعِ الْمُنَافِي لِلتَّضْيِيق.

والابْتِلاءُ وإنْ كانَ سُنَّةً كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً لاَ انْفِكاكَ للدَّعْوَةِ إلَى سَبِيلِ اللهِ عَنْها، لكنْ لِيْسَ هُوَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الطِرِيقِ، ولو كانَ الأمْرُ كذلكَ لكانَ كُلُّ مِن تَعَرَّضَ للابْتِلاءِ مُحِقًِّا، ونَحْنُ نَرَى الأمْرَ علَى خِلافِ ذلكَ، فَإنَّ أَعْداءَ الدِّينِ وأصْحابَ الدَّعَواتِ الباطِلَةِ؛ ودُعاةَ الضلالاتِ والأَهْواءِ يُبْتَلَوْنَ أيْضًا، ومَن شاءَ فَلْيَقْرَا توارِيخَ أَهْلِ الكُفْرِ؛ وتَوارِيخَ رُؤُوسِ الدَّعْوَةِ إلَى المُحْدَثاتِ من الدِّينِ، أو لِيَقْرَا إن شاءَ تارِيخَ الشيُّوعِيَّةِ المُعاصِرَةِ؛ وتارِيخَ الحَرَكاتِ اليَهُودِيَّةِ التِي انَتْهَتْ بِإقامَةِ دَولَةِ اليَهُودِ عَلَى أرْضِ فِلَسْطِينَ، أو تارِيخَ ما يُعْرَفُ بِعَصْرِ الثّورَةِ فِي أوروبا؛ والذِي انْتَهى بِما سُمِّيَ بِعَصْرِ النَّهْضَةِ الحَدِيثَةِ، فَإنَّهُ يَرَى هَذِهِ السُّنَّةَ الكَوْنِيَّةَ القَدَرِيَّةَ تَجْرِي عَلَى هُؤلاءِ أَيْضًا، لأَنَّ شَانَ الحَياةِ الدُّنْيا هُو ذلكَ، وهِي دارٌ يُمتَحَنُ فِيها المُؤمِنُ والكافِرُ، والصالِحُ والطالِحُ، ولا فَرْقَ.

وإِنَّما كانَ الأَنْبياءُ أَشَدَّ الناسِ ابْتِلاءً؛ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ، لأَنَّ الناسَ لا يَرْضَونَ بِمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ أهْوائِهم، وأَشدُّ الناسِ حِرْصًا عَلَى الأَخْذِِ بِحُجُزِ الناسِ أنْ يَقْتَحِمُوا النارَ هُمُ الرُّسلُ وأتْباعُهُمْ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيهْم، فَلِذا تَزْدادُ نَفْرَةُ الناسِ مِنْهُم؛ ويَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ بأَنْواعِ الأَذَى، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّ الأنْبِياءَ والصالِحِينَ يَتَحَرَّوْنَ تَعْرِيضَ أنْفُسِهِمْ وأتْباعِهِمْ لذلكَ، وقَدْ كانَ مِن هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللهُ وسَلامُهُ علَيْهِ أنْ لاَ يُخَيَّرَ بَيْنَ أمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتارَ أيْسَرَهُما، وما بَقاءُ دَعْوَةِ الإسْلامِ سِرًّا فِي أَوَّلِ أمْرِها؛ واسْتِخْفاءُ المُسْلِمِينَ الأَوائلِ فِي دارِ الأرْقَمِ بِن أبِي الأرْقَمِ، وما نَزَلَ فِي حُكْمِ مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمانِ، وإِذْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ بالهِجْرَةِ إلَى الحَبَشَةِ، ثمَّ إِذْنُ اللهِ تعالَى لَهُ بالهِجْرَةِ إلَى المَدِينَةِ؛ ما كانَ هَذا كُلُّهُ - وأمْثالُهُ كَثِيرٌ - إلاَّ مِن قَبِيلِ طَلَبِ الأيْسَرِ مِن الأسْبابِ كما ذكَرْناه.

لا سَبِيلَ - بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ - للتّفْرِيقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصوابِ والخَطَأِ إلا العِلْمُ؛ ولا شَيْءَ سِواهُ، وغَرْسُ هَذا فِي النُّفُوسِ؛ واسْتِقْرارُهُ فِي العُقُولِ؛ وتَرْبِيَةُ الأجْيالِ عَلَيْهِ؛ يَحْمِلُ المَرْءَ دَائِمًا عَلَى طَلَبِ العِلْمِ فِي مَظانِّهِ؛ وعَلَى الوُقُوفِ عَنْدَ حُدُودِ الشرْعِ؛ ويَقِي الإنْسانَ مِن مَصارِعِ الأَهْواءِ ونَزَواتِ النُّفُوسِ، فَكَمْ مِن الناسِ سَلكَ سَبِيلًا تَحَمَّلَ لأَجْلِهِ أَنْواعَ الابْتِلاءِ؛ وصُنُوفَ الأَذَى؛ وأَلْوانَ المَشاقِّ!؛ ثَمَّ انْقَطَعَ فِي مَفاوِزِ الجَهْلِ، واعْتَبِرْ إنْ شِئْتَ بالخَوارِجِ الذِينَ هُمْ مِن أشَدِّ الناسِ عِبادَةً؛ ومِن أجْلَدِهِمْ قِتالًا، كَيْفَ كانُوا يُورِدُونَ أنْفَسَهُمْ المَوارِدَ والمَهالِكَ، ويَقْتَحِمُونَ أعْظَمَ الأخْطارِ؛ ظَنّا مِنْهُمْ أنَّ ذلكَ مِنَ الجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ!؛ والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ يَذكُرُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كِلابُ النارِ؛ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أدِيمِ السماءِ؛ كما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسّنَهُ؛ وغَيْرُهُ؛ من حَدِيثِ أبِي أمامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه.

وقَدْ رَأَيْنا فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ أنَّ غِيابَ هَذَهِ المَفاهِيمِ أوْرَثَ الناسَ خَلَلًا فِي مَعْرِفَةِ الهُدَى مِن الضَّلالِ، حَتَّى غَدَا خُرْوجُ كَثِيرٍ مِن الجُهَّالِ والمُتَعالِمِينَ عَمَّا عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ؛ وأهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ مِن العُلَماءِ العامِلِينَ والأُمَراءِ الصالِحِينَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ الدَّعْوَةِ وبُرْهانًا عَلَى سَلامَةِ السَّبِيلِ!، فَإِذا تَصَدَّى العُلَماءُ وأكابِرُ الناسِ ورُؤُوسُ القَوْمِ مِن الصالِحِينَ المُصْلِحِينَ؛ لِبَيانِ ما هُمْ عَلَيهِ من الجَهْلِ والإِعْراضِ عَن العِلْمِ؛ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ السُّبُلُ بِما ارْتَضَوْهُ لأنْفُسِهِمْ مِن الوُقُوفِ عَنْدِ ظُلُماتِ الجَهالَةِ؛ ظَنُّوا هَذا الذِي أصابَهُمْ مِن المَكارِهِ التِي يَتَمَيَّزُ بِها الصالِحُونَ، فاحْتَجُّوا عَلَى المُخالِفِ بِأنَّهُمْ أهْلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت