الحَقِّ لِما أصابَهُمْ من الجَهْدِ والضرَّاءِ وأنْواعِ البَلاءِ، وأنَّ مُخالِفِيهِمْ هُمْ أهْلُ الباطِلِ ولَو كانُوا خَيْرَ الناسِ عِلْما وعَمَلًا؛ وفِقْها وجِهادًا!.
ومِما يَدُلُّكَ عَلَى بُطْلانِ هَذا المِيزانِ؛ أَنَّكَ لا تَكادُ تَجِدُ جَماعَةً أو طائِفَةًً مِن الجَماعاتِ والطَّوائفِ التِي تَنْتَسِبُ إلَى الإسْلامِ؛ عَلى اخْتِلافِ مَشارِبِها؛ وتَبايُنِ مَناهِجِها؛ وتَفاوُتِ مَراتِبها قُرْبًا وبُعْدًا من كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلّمَ؛ إِلاَّ وهِيَ تَتَخِذُ مِن ذلكَ وسِيلَةً لِتَصْحِيحِ دَعْواها، وأنَّ أتْباعَها هُمْ أهْلُ الحَقِّ لما يَتَعَرَّضُونَ لَهُ مِن المَصائِبِ والمِحِنِ!، ومَن أبَى إلاَّ أنْ يَجْعَلَ هَذا مِيزانًا؛ فَلْيُصَحِّحْ إِذَنْ مَناهِجَ المُعْتَزِلِةِ والخَوارِجِ والمُرْجِئَةِ والجَهْمِيَّةِ والرافِضَةِ؛ بَلْ ومَن قُتِلَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ من المُنْتَسِبينَ للإسلامِ، وغَيْرِهِمْ مِن الفِرِقِ التِي امْتُحِنَ بِها أهْلُ الإسْلامِ، فَإنَّ كُلَّ هَؤلاءِ قَدْ تَعَرَّضُوا للمِحَنِ كما تَعَرَّضَ لَها أهْلُ السُّنَّةِ رَحِمَهُمُ اللهِ.
وهَكَذا ما وَرَدَ فِي الأحادِيثِ والآثارِ مِن أنَّ أهْلَ الحَقِّ أهْلُ غُرْبَةٍ فِي الدِّينِ؛ وأنَّهُمْ قِلَّةٌ فِي الناسِ، فَإنَّ هَذا وَإنْ كانَ وَصْفًا لازِمًا لأَهْلِ الحَقِّ امْتِحانًا من اللهِ تعالَى لِعِبادَهِ، لكِنَّهُ لَيْسَ دَلَيلًا مُطْلَقًا عَلَى الحَقِّ والصوابِ كما يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ من الجُهّالِ؛ ويُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ فِي مُخالَفَةِ مَن يَعْتَدُّونَ بِهِ من العُلماءِ والأكابِرِ مَتَى وَافَقَ ذلكَ ما فِي نُفُوسِهِمْ من الهَوى!، ولَو كانَ الأمْرُ كَما يَظُنُّونَ لكانَ كُلُّ قَوْلٍ شاذٍّ عِنْدَ العُلماءِ حَقًّا وصَوابًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذلكَ، بل يَنْبَغِي أنْ يُرَدَّ كُلُّ قَوْلٍ إلَى العِلْمِ بكتابِ اللهِ تعالَى وسنَّةِ رَسُولِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ.
وكَما أنَّ القِلَّةَ لَيْسَتْ بُرْهانًا ناهِضًا عَلى الفُرْقانِ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ؛ فكَذلكَ الشانُ فِي كَثْرَةِ الأنْصارِ والأَعْوانِ والمُحِبِّينَ، كما يُلْهَجُ بِهِ فِي بَعْضِ الأحْيانِ!، وكَيفَ يَصِحُّ هَذا ونَحْنُ نَرَى أكْفَرَ الناسِ وأفْسَقَ الناسِ اليَوْمَ مِن أكْثَرِ الخَلْقِ تابِعًا!، وفِي الحَدِيثِ عِنْدَ الشيْخَينِ وغَيْرِهما أنَّ النَبِيَّ يَاتِي يَومَ القِيامَةِ وَمَعَهُ الرجُلُ والرجلانِ، ويَأتِي النَبِيُّ ولَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، وانْظُرْ فِي حالِ أهْلِ البِدَعِ والأهْواءِ كَيْفَ تَراهُمْ قَدْ زَادُوا فِي زَمانِناَ هَذا بكَثْرَتِهِمْ عَلى أهْلِ السنَّةِ أَضْعافًا مُضاعَفَةً؛ فَهُمْ فِي كُلِّ أرْضٍ يَمْرَحُونَ؛ وفِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ!، فَلَو كانَتْ كَثْرَةُ المُحِبِّينَ دَلِيلًا عَلى الصراطِ المُسْتَقِيمِ والنَّهْجِ القَوِيمِ لكانَ هَؤلاءِ أَولَى الناسِ بِهِ، وخابُوا وخَسِرُوا واللهِ؛ وخابَ كُلُّ مُبْتَدِعٍ عَنْيدٍ.
وقَدْ أوْجَبَ هَذا الخَلَلُ أيْضًا عِنْدَ كَثِيرِينَ مِن العامَّةِ فِي حَقْلِ الدَّعْوَةِ خاصَّةً أنْ يَظُنُّوا كُلَّ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ التَّيْسِيرِ فِي الشرْعِ - حَتَى وَلَو كانَ ذلكَ أَمْرًا تَدْعُوا إلَيْهِ الضَّرُورَةُ ويُلْجِئُ إلَيْهِ عُمُومُ الحاجَةِ - مُناقِضًا لِسُنَّةِ الابْتِلاءِ التِي حَسِبُوها الفَيْصَلَ بَينَ الصادِقِ والكاذِبِ، فَإنَّ الفَرْضَ عِنْدَ هَؤلاءِ - كما سَمْعْتُهُ من كَثِيرِينَ مِنهمْ - أنْ يُحاطَ بِأهْلِ الحَقِّ وأنْ تَجْتَمِعَ عَلَيْهِمْ أُمَمُ الأَرْضِ فَيَحْصُدُوهُمْ فِي غَداةٍ واحِدَةٍ!؛ فَهَذا هُوَ دَلِيلُ الصِّدْقِ زَعَمُوا، ولِذا صارَ كُلُّ مَن دَلَّ هَؤلاءِ عَلَى مَوْضِعِ رُخْصَةٍ مِن الشرْعِ تَجْرِي وَفْقَ قَواعِدِ الشرِيعَةِ شِبْرًا بِشِبْرٍ وذِراعًا بِذراعٍ مَوْضِعَ تُهَمَةٍ وتَهاوُنٍ فِي الدِّينِ؛ وما أيْسَرَ أنْ يُرْمَى مِن بَعْدُ بالنُّكُوصِ عَنِ المَنْهَجِ والانْقِلابِ عَلَى عَقَبِيْهِ، وإنا للهِ وإنا إلَيْهِ رَجِعُون.
وأَقُولُ تَعْلِيقًا عَلَى هَذا:
قَولُ النَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ: بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا؛ وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدا، يُنْتَزَعُ مِنْهُ ضَرُورَةُ العِنايَةِ بالفِقْهِ الذِي يُناسِبُ حالَ أهْلِ الغُرْبَةِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الحالَ الذِي آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ عَلَى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، فَإنَّ عَهُودَ