الإسْلامِ الخالِيَةَ وإنْ تَقَلَّصَتْ فِيها ظِلالُ الإسْلامِ فِي بَعْضِ نَواحِي بِلادِ المُسْلِمِينَ؛ إلاَّ أنَّها لَمْ تَزَلْ مَمْدُودَةً فِي نَواحِيها الأُخْرَى، يَفِيءُ إلَيْها المُعْوِزُونَ والمُحْتاجُونَ مِن المُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينِ، ثُمَّ لا تَلْبَثُ الأَنْجادُ أَنْ تَنْبَعِثَ مِن تِلْكَ البِلادِ أرْسالًا بَبَركَةِ مَن كانَ فِيها مِن الأمَراءِ المُجاهِدِينِ والعُلَماءِ الصالِحِينَ؛ فَيُخَلِّصُوا بِلادَ الإسْلامِ مِمَّنْ داهَمَها مِن المَعْتَدِينَ، والشواهِدُ عَلَى هَذا من التاريخِ كَثِيرَةٌ، عَلَى قَصُورٍ فِي ذلكَ كانَ يَقَعُ من مُلُوكِ الإسلامِ وأُمَراءِ المُسْلِمِينَ أحْيانًا؛ كانَ واحِدًا من أسْبابِ الحالِ الذِي صِرْنا إلَيْهِ!.
أمّا أنْ تُمَزَّقَ بِلادُ المُسْلِمينَ شَذرَ مَذَرَ، وأنْ يَتَسلَّطَ عَلَيْها عُدُوُّ الإسْلامِ وأقْوامٌ مِن جِلْدَتِنا هُمْ لَهُ عَبْيدٌ وخَدَمٌ، وأنْ تُصْبِحَ زِمامُ الأمُورِ فِي بِلادِ الإسلامِ فِي أيْدِي هَؤلاءِ وطَوْعَ أهْوائِهم، فيَمْتَلِكُوا مَفاتِيحَها السِّياسِيَّةَ وَالعَسْكَرِيَّةَ والاقْتِصادِيَّةَ والثقافِيّةَ والعِلْمِيَّةَ والتَرْبَوِيَّةَ!، ثُمَّ يَفْرِضُوا عَلَيْها تَنْحِيَةَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ وأنْ يُقِيمُوا مَحَلَّها قَانُونَ (المُسْتَعْمِرِ) وشَرِيعَتَهُ الكافِرَةَ!، وهُمْ مِن بَعْدِ ذلكَ يَسْتَخْدِمُونَ ما يَمْلِكُونَ منْ آلَةٍ وَوَسِيلَةٍ؛ وما أوْجَبَهُ تَقارُبُ الزَّمانِ والمَكانِ من التبادُلِ المَعْرِفِي والثقافِيِّ؛ وسُرْعَةِ تَبادُلِ الخِبراتِ والمَعْلُوماتِ؛ فِي تَنْفِيذِ مَآرِبِهِمْ فِي بِلادِ الإسلامِ؛ وفِي التّضْييقِ عَلَى دُعاةِ المُسْلِمينَ؛ وفِي مُحارَبَةِ القائِمِينَ عَلَيهِ، بلْ وفِي اسْتِغْلالِ ثَغَراتِ الضعْفِ - مِن الجَهْلِ بالواقِعِ والغفْلَةِ عَن مَقاصِدِ العُدُوِّ - فِي التِّحْرِيشِ بِيْنَهُم؛ وفِي إغْراءِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَ فِئاتِهِمْ؛ اتِّباعًا لِقاعِدَةِ اسْتِغْلالِ قُوَّةِ الخَصْمِ ضِدَّهُ!، وأنْ يَكُونَ ذلكَ فِي كافَّةِ أمْصارِ المُسْلِمِينَ؛ مِن المَشْرقِ إلَى المَغْرِبِ!، حَتَّى يَبْحَثَ المُسْلِمُ عَمْنْ يُؤْوِيهِ ويَنْصُرُهُ - وكَفَى باللهِ ولَيًّا وكَفَى باللهِ نَصِيرًا - فَلا يَجدَ إلَى ذلكَ سَبْيلًا!، فَهَذا أمْرٌ لا عَهْدَ لأُمَّةِ الإسْلامِ بِمِثْلِهِ مِن قَبْلُ!.
وأَيُّ غُرْبَةٍ فِي الدِّينِ أعْظَمُ من الغُرْبَةِ التِي يَعِيشُها المُسْلِمُ اليَومَ، وإِذا كانَ هَذا الكَيْدُ يُنْصَبُ للواحِدِ مِن المُسْلِمينَ، فَما ظَنُّكَ بِمَنْ يَسْعَى مِن المُسْلِمينَ فِي هَلاكِ فَراعِنَةِ الأَهْواءِ وأعْداءِ الأنْبِياءِ والرسُلِ، ويَدْعُوا إلَى إقامَةِ سُلطانِ الإسلامِ وشَرْعِهِ فِي الأرْضِ؛ وإزالَةِ كُلِّ ما يَحُولُ بَيْنَ المُسْلمينَ وبَينَ هَذهِ الغايَةِ مِن طواغِيتِ الأرْضِ والبَشرِ، فَما عَساهُمْ أنْ يَصْنَعُوا مِن الكَيْدِ إذَنْ؟!.
ونَحْنُ عَلَى يَقِينٍ - وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ - بَأنَّ كَيْدَ القَوْمِ مِن جِنْسِ كَيْدِ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ ولا يُفْلِحُ الساحِرُ حَيثُ أَتَى، ولَيْسَ يَقِينُنا هَذا بِمانِعٍ لِنا عَن الأَخْذِ بما أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ مِن الأسْبابِ، ولَيْسَ حَدِيثُنا عَن خَرْقِ العادَةِ حَتَّى يُقالَ إنَّ اللهَ تعالَى قادِرٌ عَلَى هَزِيمَةٍ هَؤلاءِ ودَحْرِهِمْ بأمْرٍ بَينَ الكافِ والنُّون، وإنَّما نَتَحَدَّثُ عَما يَتَعَيَّنُ عَلَيْنا الإتْيانُ بِهِ مِن السَّبَبِ، وما المُسْلِمُ الساعِي فِي إقامَةِ دِينِ اللهِ وشَرْعَهِ عَلى بَصِيرَةٍ وهُدَىً مِن اللهِ إلاَّ سَبَبًا مِن الأسْبابِ التِي سَخّرها سُبْحانَهُ لإقامَةِ دِينِهِ وشَرْعه.
ومِن أعْظَمِ الأسْبابِ أنْ يُعْمِلَ المُؤَهَّلُونَ منْ أهْلِ العِلْمِ أَنْظارَ الاجْتِهادِ فِي فِقْهِ السياسَةِ الشرْعِيَّةِ الذِي يَهْتَدِي بِهِ الساعُونَ لإقامَةِ دِينِ اللهِ تعالَى فِي الأرْضِ فِي زَمانِنا هَذا وأحْوالِنا هَذِهِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ، ولَسْتُ فِي شَكٍّ مِن أَنَّنا أَحْوجُ إلَى مَعْرِفَةِ أحْكامِ الرُّخَصِ المَشْرُوعَةِ المُسْتَمَدَّةِ من قاعِدَةِ رَفْعِ الحَرَجِ فِي الشرِيعَةِ المُطَهَّرِهِ؛ والاجْتِهادِ فِيما يُناسِبُ الضُّروراتِ المُعاصِرَةَ مِنها؛ مِنَّا إلَى مَعْرِفَةِ الأحْكامِ العامَّةِ التِي لا تَغِيبُ فِي العادَةِ عَن المُبْتَدِئِينَ مِن الطلاَّبِ، وفِي ذلكَ إنْ فَعَلْناهُ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى العُلَماءِ العامِلِينَ؛ وَالمُجاهِدِينَ الصابِرِينَ الساعِينَ فِي إقامَةِ دِينِ اللهِ وشَرْعِهِ والتَّمْكِينِ لَهُ فِي الأرْضِ، ولأَنَّ الجَهْلَ بِمواطِنِ الرُّخَصِ من الشرْعِ فِي مِثْلِ هَذهِ الأَحْوالِ التِي عَمَّتْ فِيها الضرُوراتُ والحاجاتُ يُفْضِي إلَى أنْ يَتَكَلَّفَ المَرْءُ أحْمالًا يَنْقِطِعُ دُونَها عَن مُواصِلَةِ الطريقِ، وإنْ تَحَمَّلَها أفْرادٌ من الناسِ مَعْدُودُونَ