لِجَهْلِهِمْ بِمَواطِنِ التَيْسِيرِ فِي الشرْعِ؛ لَمْ تَصْلُحْ نَهْجًا تُلْزَمُ بِهِ الجَماعَةُ القائِمَةُ بأمْرِ الدِّينِ وفِيهِمُ الكَبيرُ والضعِيفُ وذُو الحاجَةِ!، وقَدْ رَفَعَ اللهُ تعالَى عن أمَّةِ المُسْلِمينَ الآصارَ والأغْلالَ؛ ولمْ يُكَلِّفْ عِبادَهُ فَوْقَ ما يَطِيقُونَ، ولا تَكِلِيفَ إلا بِما شَرَعَ سُبْحانَه.
عَلَى أَنَّنا نُنَبِّهِ إِلَى أنَّ المَطْلُوبَ هُوَ الوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ الشرْعِ فِي ذلكَ، فَإنَّ السياسَةَ - كما قالَ ابنُ فَرْحُونٍ المالكِيُّ رَحِمَهُ الله - نَوْعَانِ: ظَالِمَةٌ تُحَرِّمُهَا الشَّرِيعَةُ، وَعَادِلَةٌ تُوجِبُ المَصِيرَ إِلَيْهَا؛ وَالاعْتِمَادُ فِي إِظْهَارِ الحَقِّ عَلَيْهَا، وَهِيَ بابٌ وَاسِعٌ تَضِلُّ فِيهِ الأَفْهَامُ، وَتَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ، وَإِهْمَالُهَا يُضَيِّعُ الحُقُوقَ، وَيُعَطِّلُ الحُدُودَ، وَيُجَرِّئُ أَهْلَ الفَسَادِ، وَالتَّوَسُّعُ فِيهِ يَفْتَحُ أَبْوابَ المَظَالِم، وَيُوجِبُ سَفْكَ الدِّمَاءِ، وَأَخْذَ الأَمْوالِ بِغَيْرِ حَقٍّ. انتهى، والواجِبُ كما قالَ رَحِمَهُ اللهُ اعْتِبارُها عَلَى التَّوَسُّطِ اتِّقاءً لِمَحْذُورَي الإهْمالِ والتَّوَسُّعِ؛ فَلا يُهْدَرُ جانِبُ الالْتِفاتِ إلَيْها ظَنًّا مِنَ المُهْدِرِ أنَّها مُنافِيَةٌ للقَواعِدِ الشرْعِيَّةِ؛ فَيُنْكِرُ ما شَهِدَ لَهُ الشرْعُ منْها بالاعْتِبارِ، قَالَ: وَهُوَ رَدٌّ لِنُصُوصِ الشَّرِيعَةِ؛ وَتَغْلِيطٌ للخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلاَ يُفَرِّطُ فَي التَّعْوِيلِ عَلَيْهَا بِتَوَهُّمِهِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَاصِرَةٌ عَنْ رِعَايَةِ الخَلْقِ، فَيَجْنِى عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ وَيَرْمِيهَا بِالنَّقْصِ. انتهى.
وقَدْ قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: إنّمَا العِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصَةُ مِنْ ثِقَةٍ؛ فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وصَدَقَ واللهِ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وَنَصَحَ، ولَيْسَ المُرادُ بالرُّخْصَةِ هُنا تَتَبُّعَ شُذُوذاتِ العُلماءِ، بَلِ المُرادُ ما أشَرْنا إلَيْهِ من رَفْعِ الحَرجِ عَن المُكَلِّفِينَ، ولِذا تَرَى فِي الشرْعِ جُمْلَةً مِنَ القَواعِدِ تُؤَيِّدُ هَذا المَعْنَى:
-الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُوراتِ، وَمِن الفُقَهاءِ مَن يُعَبِّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهم: لا مُحَرَّمَ معَ اضطِرارٍ، والإكراهُ ضَرُورَةٌ؛ كما فِي الجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ من كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ.
-إذا ضاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ.
-المشقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ.
-الضرورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِها.
-زَوالُ الضرَرِ بلاَ ضَرَرٍ، أو: لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ.
-الضَّرَرُ لاَ يُزَالُ بِمِثْلِهِ.
-يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ؛ لأََجْلِ دَفْعِ ضَرَرِ الْعَامِّ.
-استِمْدادُ حُكْمِ الرُّخْصَةِ مِن قَاعِدَةِ رَفْعِ الحَرَجِ، وغَيرُ هَذهِ من القواعِد.
وثَمَّةَ فَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ القَصْدِ إلَى تَحْصِيلِ المَشَقَّةِ وإيقَاعِ النَّفْسِ فِي الحَرَجِ، وبَيْنَ حُصُولِها تَبَعًا لأَنَّها مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ، كما مَثَّلَ الشاطِبِيُّ لذلكَ فِي الاعْتِصامِ بِمَنْ وَجَدَ طَرِيقَيْنِ يَحْصُلُ بِهِما المَطْلُوبُ وهُما عَلَى حَدٍّ سواءٍ؛ فَيَأخُذُ بَعْضُهُمْ بالأشدِّ الذِي يَشُقُّ علَى النَّفْسِ ويَتْرُكُ الأيْسَرَ علَيْها، كمَنْ يَجِدُ للطَّهَارَةِ ماءَيْنِ بارِدًا وحارًّا؛ فَيَتَحَرَّى الوُضُوءَ والاعْتِسالَ بالأَوَّلِ الذِي يَشُقُّ علَى النَّفْسِ، ويَدَعُ الثانِيَ الذِي فِيهِ إِعْطاؤُها حَقَّها، فَمِثْلُ هَذا مُخالِفٌ لأدِلَّةِ الشرْعِ الوارِدَةِ بِرَفْعِ الحَرَجِ؛ مِن غَيْرِ مَعْنَىً زائِدٍ فِيما قَصَدَ إلَيْهِ، والشارِعُ لا يَرْضَى بِمِثْلِ هَذا؛ لأَنَّهُ يُفْضِي - مَع الإكْثارِ مِنْهُ خاصَّةً - إلَى انْقِطاعِ المُكَلَّفِ عَن القِيامِ بالتكْلِيفِ، وإلَى نَفْرَةِ الناسِ مِن الشرْعِ.