الصفحة 41 من 85

وما وَرَدَ فِي الحَدِيثِ مَثَلًا مِن أنَّ إسْباغَ الوُضُوءِ علَى المَكارِهِ يَمْحُو الخَطايا ويَرْفَعُ الدَّرَجاتِ؛ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى جَوازِ أنْ يَسْعَى الإنْسانُ فِي تَحْصِيلِ الأَجْرِ بإكْراهِ النَّفْسِ ولا أنْ يَتَحَرَّى إِدْخالَ الكَراهَةِ عَلَيْها، لأنَّ الحَدِيثَ لمْ يامُرْ بِذلكَ ولا أرْشَدَ إلَيْهِ، وإنَّما غايَةُ ما فِيهِ الإسْباغُ مَعَ وُجُودِ ما يُكْرَهُ مِمَّا لا يُدَ للإنْسانِ فِي تَحْصِيلِهِ، كالرجُلِ يَجِدُ الماءَ البارِدَ فِي الشتاءِ؛ ولَيْسَ هُناكَ ما يُسَخِّنُهُ بِهِ؛ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذلكَ مِن كَمالِ الإسْباغِ.

ومِن قَبِيلِ هَذا؛ الاقْتِصارُ فِي المَاكَلِ والمَلْبَسِ عَلَى الخَشِنِ مِن الثِّيابِ؛ لا لِغَرَضٍ سِوَى التَشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ، فَلَيْسَ هَذا مِن الشرْعِ؛ ولا مِن مَقْصُودِهِ تَعْذِيبُ النَّفْسِ والتَّضِييقُ عَلَيْها، واللهُ تَعالَى لَمْ يُطالِبِ العِبَادَ بِتَرْكِ الطِّيِّباتِ!؛ وهَلْ أباحَها لِعِبادِهِ إلاَّ لِيَنْتَفْعُوا بِها ثُمَّ يَحْمَدُوهُ علَيْها؟!، فَالْمُتَحَرِّي للامْتِنَاعِ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أَبَاحَهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ مُفْتَاتٌ عَلَى الشَّارِعِ؛ قَائِلٌ عَلَى اللهِ تَعالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ.

وقَدْ ذكَرَ أبو المَعالِي الجُوَيِنِيُّ فِي البُرْهانِ، وَالعِزُّ بنُ عَبْدِ السلامِ فِي قَواعِدِ الأحْكامِ، والشاطِبِيُّ فِي المُوافَقاتِ، وغَيرُهُم؛ كَثِيرًا مِن المسائلِ التِي تَعْرِضُ للناسِ فِي حَياتِها ومُعامَلاتِها وذكَرُوا أنَّ مَبْنَى هَذهِ المَسائلِ كُلِّها عَلى الضرُوراتِ ومَسِيسِ الحاجاتِ، وأنَّهُ قَدْ يَجُوزُ فِي حالِ الاضْطِرارِ ما لا يَجُوزُ فِي حالِ الاخْتِيارِ، وإِذا كانَ هَذا جارِيًا فِي تَحْصِيلِ المَصالِحِ الخاصَّةِ؛ فَأنْ يَجْرِيَ فِي تَحْصِيلِ المَصالِحِ العامَّةِ من بابِ أولَى، والعُلَماءُ رَحِمَهُمُ اللهُ تعالَى ذَكَرُوا مِن القَواعِدِ أنَّ المَصْلَحَةَ العامَّةَ كالضَّرُورَةِ الخاصَّةِ، بلْ إنَّ من أُصُولِ مالكٍ رَحِمَهُ اللهُ كما فِي (شَرْحِ مَيَّارَةَ) : أَنَّهُ يُرَاعِي الْحَاجَاتِ كَمَا يُرَاعِي الضَّرُورَاتِ، وهَذِهِ القَواعِدُ كما تَجْري فِي العِباداتِ والمُعامَلاتِ؛ تَجْرِي كَذلكَ فِي أُمُورِ الوِلاياتِ؛ رَحْمَةً بالعِبادِ؛ ونَظَرًا لِجَلْبِ مَصالِحِهِمْ؛ ودَرْءِ مَفاسِدِهِمْ، كما فِي القَواعِدِ الصُّغْرَى للعِزِّ بنِ عَبْدِ السلامِ رَحِمَهُ الله، وهَذا صَحِيحٌ؛ ولا شَكَّ، فَإِنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يُراعِيَ الشرْعُ المُطَهَّرُ حالَ الفَرْدِ فَي أمُورِهِ ومُعامَلاتِهِ الخاصَّةِ ثُمَّ يُغْفِلُ ما يَتَعَلَّقُ بِذلكَ مِن أُمُورِ السياساتِ والوِلاَياتِ التِي ما وَضَعَها الشرْعُ أَصْلًا إِلاَّ لِرِعايَةِ مَصالِحِ الأُمَّةِ الكُلِّيَّةِ وحاجاتِها العامَّةِ.

إِنَّنِي أَرَى أَنَّ الاجْتِهادَ فِي نَوازِلِ السِّياسَةِ الشرْعِيَّةِ بِمَا يُلائِمُ حالَ العَصْرِ الذِي أَشَرْنا إلَيْهِ؛ وبِما يَفِي بِمَطالِبِهِ؛ مِن فُرُوضِ الأَعْيانِ عَلَى عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، ومَعَ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ عَمَّن يَطْرُقُ هَذا البابِ أو يَذْكُرُهُ!، ومَن ذكَرَهُ فَغايَتُهُ أنْ يَاتِيَ بِما كَتَبَهُ الشيْخُ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهِ فِي قاعِدَتِه المَشْهُورَةِ فِي السياسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وهِيَ وإنْ حَوَتْ أُصُولًا يُحْتاجُ إلَيْها فِي البابِ، إلاَّ أَنَّها لا تَفِي بالمَطْلُوبِ، وأَيْنَ الحالُ الذِي كَتَبَ ابنُ تَيْمِيَةَ فِيهِ هَذِهِ الرسالَةَ فِي أواخِرِ القَرْنِ السابِعِ وأوائِلِ الثامِنِ الهِجْرِيَّيْنِ، مِن الحالِ الذِي صِرْنا إلَيْهِ فِي هَذا القَرْنِ الخامِسِ عَشَرَ، والذِي أصْبَحَتْ فِيهِ كَثِيرٌ من العُلُومِ لَها مِساسٌ مُباشِرٌ بِبِناءِ الأُمَمِ والدُّولِ وسِياسِتِها، مَعَ كَثْرَةِ ما يَطْرَأُ عَلى السِّياساتِ مِن التَّغِييرِ والتَّبْدِيلِ، حَتَّى قالَ العَلامَةُ المُحَدِّثُ الحَنَفِيُّ الفَقِيهُ الشيخُ عُبَيْدُ اللهِ السِّنْدِيُّ المُتَوفّى فِي الهِنْدِ مِنْ نَحْوِ سَبْعِينَ عامًا: رَأَيْتُ رَايَ العَيْنَ أنَّ الجَماعَةَ المُسْلِمَةَ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيها طائِفَةٌ من العُلَماءِ تَقْدِرُ عَلى الاجْتِهَادِ فِي نَوازِلِ السِّياسَةِ لَمْ تَزَلْ فِي تَأَخُّرٍ ولَم تَسْتَطِعِ النُّهُوضَ بالأُمَّةِ لأنَّ السياساتِ تَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، أَو كَلامًا هَذا مَعْناه.

وفِي قَواعِدِ الشرْيِعَةِ؛ وفِي نَوازِلِ أهْلِ العِلْمِ كَثِيرٌ مِمَّا يُمْكِنُ أنْ يُتَّخَذَ مِفْتاحًا لِما نَحْتاجُ إلَيْهِ فِي هَذا البابِ، نُشِيرُ إلَى بَعْضِهِ فِي هَذا المَقامِ - مِن غَيْرِ قَصْدِ تَرْتِيبٍ؛ بلْ بِحَسْبِ ما اتَّفَقَ - تَنْبِيهًا عَلَى سائِرِهِ، وإِلاَّ فَهُو بِحاجَةٍ إلَى تَتَبُّعٍ واسْتِقْراءٍ تامٍّ يَضْطلِعُ بِهِ الجَهابِذَةُ المُحَقِّقُون:

فَمِنْهُ: بِنَاءُ الأَحْكَامِ عَلَى الظُّنُونِ لإِعْوازِ اليَقِينِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت