الصفحة 42 من 85

ومِنْهُ: أَنَّ الضَّرُورَةَ تُسْقِطُ مَا أَعْوَزَ مِنْ شُرُوطِ الْمُكْنَةِ.

وَمِنْهُ: أَخْذُ الْمُضْطَرِّ مَا يَدْفَعُ بِهِ ضَرُورَتَهُ مِنَ الأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ المُلاَّكِ، وَكَذلِكَ بَيْعُهُ، لأَنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْهُمْ مَفْسَدَةٌ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ وَمَسِيسِ الْحَاجَاتِ.

وَمْنْهُ: إِيجَابُ الكَذِبِ النَّافِعِ؛ ومن ذلكَ الإصْلاحُ بَينَ الناس، وَتَحْرِيمُ الصِّدْقِ الضَّارِّ.

وَمْنْهُ: مَشْرُوعِيَّةُ الْخِدَاعِ فِي القِتَالِ، وَجَوازُ الكَذِبِ فِي الحَرْبِ.

ومِنْهُ: أَنَّ مَا خِيفَ انْتِشَارُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ تُخَفَّفُ شُرُوطُهُ عَنْ شُرُوطِ الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ.

وَمِنْهُ: ما فِي الإشباهِ والنظائِرِ عَن العَلائِيِّ مِن أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُعْتَبَرَةَ إمَّا فِي مَحِلِّ الضَّرُورَاتِ؛ أَوْ فِي مَحِلِّ الْحَاجَاتِ؛ أَوْ فِي مَحِلِّ التَّتِمَّاتِ، وَإِمَّا مُسْتَغْنًى عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ إمَّا لِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا أَوْ لِقِيَامِ غَيْرِهَا مَقَامَهَا، وذكَرَ السيوطِيُّ أنَّ هَذهِ القاعِدَةَ أصْلٌ لِقاعِدَةِ: ما يُشْتَرَطُ فِيهِ العَدالَةُ وما لا يُشْتَرَطُ.

وَمْنْهُ: تَجْوِيزُ الكُفْرِ القَوْلِي وَالفِعْلِيِّ بِالإكْرَاهِ مَعَ طُمَانِينَةِ القَلْبِ بِالإيمَانِ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ الإِكْرَاهُ عَلَى كُفْرِ الْجِنَانِ، وَلاَ عَلَى شَيْءٍ مِن اكْتِسَابِهِ، إِلاّّ بِالإرَادَةِ، كذَا ذكَرَ العِزُّ بنُ عَبْدِ السلامِ رَحِمَهُ اللهُ فِي القَواعِدِ الصُّغْرَى الكُفْرَ القَوْلِيَّ والعَمَلِيَّ، وفِي التَّحْرِيرِ والتَّنْوِيرِ لابنِ عاشُورٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تعالَى: {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ} ؛ قالَ: وَسَوّى جُمْهُورُ العُلَمَاءِ بَيْنَ أَقْوَالِ الكُفْرِ وَأَفْعَالِهِ كَالسُّجُودِ للصَّنَمِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ الإِكْرَاهَ عَلَى أَفْعَالِ الكُفْرِ لاَ يُبِيحُهَا، وَنُسِبَ إِلَى الأَوْزَاعِيِّ وَسُحْنُونٍ وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَهِيَ تَفْرِقَةٌ غَيْرُ وَاضِحَةٍ، وَقَدْ نَاطَ اللهُ الرُّخْصَةَ بِاطْمِئْنَانِ القَلْبِ بِالإِيْمَانِ؛ وَغَفَرَ مَا سَوَّلَ القَلْبُ، انْتَهَى.

وحَكَى الشوكانِيُّ فِي فَتْحِ القَدِيرِ ما نُسِبَ إلَى الأوزاعِيِّ عن الشافِعِيِّ أيْضًا، ونَسَبَهُ ابنُ عادِلٍ فِي اللبابِ إلَى بَعْضِ المالكِيَّةِ، ثمَّ قالَ فِي الجَوابِ عَنْه: وَيَدْفَعُهُ ظَاهِرُ الآيَةِ، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيمَنْ أُكْرِهَ؛ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ، وَلاَ دَليلَ لِهَؤُلاءِ القَاصِرِينَ للآيةِ عَلَى القَوْلِ، وَخُصُوصُ السَّبَبِ لاَ اعْتِبَارَ بِهِ مَعَ عُمُومِ اللفْظِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الأُصُولِ. انتهى.

وَفِي البَحْرِ لأَبِي حَيانٍ: وَفِي قَوْلِهِ: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} دَليلٌ عَلَى أنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِذَا كَانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أَوْ فِعْلِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ؛ فَالْمُسَامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمَعَاصِي أَوْلَى.

وَإِنَّما ذكَرْتُ هَذا جَوابًا عَن قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ القَوْلَ بِدُخُولِ الإكْراهِ عَلَى فِعْلِ الكُفْرِ فِي المُرادِ بالآيَةِ قَوْلٌ شاذُّ لاَ يُعَوَّلُ عَلِيهِ!، والأَمْرُ كَما تَرَى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنْه: الإكْراهُ بابٌ واسِعٌ من الفِقْهِ؛ وقَدْ أَفْرَدَهُ بالتّصْنِيفِ جَماعَةٌ من المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأَخِّرِينَ، والحَقُّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ أَحْوالِ الناسِ؛ وباخْتِلافِ أسْبابِ الإكْراهِ، ورُبَّ شَيءٍ كانَ مَن الإكْراهِ فِي زَمَنٍ ولَيْسَ مِنْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ، وقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ الأكابِرِ مِن عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ فِي بُخارَى وقَدْ تُوُفِّيَ من نَحْوِ مائِةِ عامٍ تَقْرِيبًا فِي مُصَنَّفٍ لَهُ وقَدْ ذكَرَ فِيهِ أَقْوالِ العُلَماءِ فِي السِّجْنِ وهَلْ هُو مِن الإكْراهِ أمْ لا، ثُمَّ عَقَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: هَذا فِيما مَضَى، أما السِّجْنُ فِي زَمانِنا فَهُوَ إكْراهٌ وزِيادَةٌ، وهَذا كَلامٌ حَسَنٌ جِدًّا، والبابُ يَحْتاجُ إلَى تَتَبُّعٍ واجِتِهادٍ فِيما يُناسِبُ النوازِلَ المُعاصِرَةَ مِنْهُ، وباللهِ التوفِيق.

قُلْتُ: ومِثْلُ كَلامِ الشيْخِ هَذا، يُقالُ فِي أَمْرِ السَّلْطانِ وهَلْ هُوَ إكْراهٌ أمْ لا؟؛ وقَدْ ذكَرَ السيُوطِيُّ فِي الأشْباهِ والنظائِرِ الخِلافَ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ أوْ قَوْلَيْنِ، وحَكَى عَن الرافِعِيِّ أنَّ مُقْتَضَى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ تَصْرِيحًا ودَلالَةً أنَّهُ لا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الإكْراهِ، قَالَ: وَمِثْلُ السُّلْطانِ - فِي إِجْراءِ الخِلاَفِ - الزَّعِيمُ وَالمُتَغّلِّبُ؛ لأَنَّ المَدَارَ عَلَى خَوْفِ الْمَحْذُورِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ.

وقَدْ ذكَرَ السيوطِي فِي الكتابِ المَذْكُورِ عِشْرِينَ صُورَةً لضابِطِ الإكْراهِ بِحَقٍّ، وأكْثَرَ من سَبْعَينَ صُورَةً لا أَثَرَ فِيها للإكراهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت