ومِنْهُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ تَقْدِيمُ الضرُوراتِ عَلَى الحاجاتِ فِي حَقِّ جِميعِ الناس.
وَمْنْهُ: جَوازُ تَصَرُّفِ الوُلاِةِ الفَسَقَةِ وَالبُغَاةِ فِي أَمْوالِ بَيْتِ المَالِ؛ إَذَا وَافَقَ تَصَرُّفُهُمُ الشَّرْعَ.
ومِنْهُ: قَوْلُ العُلَماء فِيما لَوْ عَمَّ الْحَرَامُ الأَرْضَ؛ بِحَيْثُ لاَ يُوجَدُ فِيهَا حَلاَلٌ، جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلا يَقِفُ تَحْلِيلُ ذَلِكَ عَلَى الضَّرُورَاتِ؛ لأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا لأَدَّى إلَى ضَعْفِ الْعِبَادِ وَاسْتِيلاءِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ عَلَى بِلادِ الإِسْلاَمِ، وَلا يُقْطَعُ النَّاسُ عَنْ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَالأَسْبَابِ الَّتِي تَقُومُ بِمَصَالِحِ الأَنَامِ؛ لأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ كَالضَّرُورَةِ الْخَاصَّةِ.
ومِنْهُ: جَوَازُ الغَصْبِ وَالنَّهْبِ وَالسَّرِقَةِ بِسَبِبِ الإِكْرَاهِ والاضْطِرارِ، قالَ المُحَقِّقُونَ من العُلَماء: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا خَافَ الْهَلاكَ لِجُوعٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَإِذَا وَجَبَ هَذَا لإِحْيَاءِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَمَا الظَّنُّ بِإِحْيَاءِ نُفُوسٍ!، مَعَ أَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ قَدْ لا يَكُونُ لَهَا قَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ؛ وَلاَ يَخْلُو الْعَالَمُ مِنْ الأَوْلِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ، بَلْ إقَامَةُ هَؤُلاءِ أَرْجَحُ مِنْ دَفْعِ الضَّرُورَةِ عَنْ وَاحِدٍ قَدْ يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ، وَقَدْ يَكُونُ عَدُوًّا لِلَّهِ.
وَمِنْهُ: تَصْحِيحُ تَوْلِيةِ البُغَاةِ الحُكَّامِ؛ وَتنْفِيذُ أَحْكَامِ قُضَاتِهِمْ نَظَرًا لأَهْلِ الإسْلاَمِ.
وَمِنْهُ: الإعَانَةُ عَلَى أَخْذِ الحَرَامِ فِي فَكِّ الأُسَارَى وَافْتِداءِ الأَبْضَاعِ وَالأَرْواحِ مِنَ الظَّلَمَةِ وَالكُفَّارِ.
وَمِنْهُ: الفَظَاظَةُ وَالإغْلاَظُ للمُنَافِقِينَ وَالكُفَّارِ؛ وَكَذلِكَ الإخْجَالُ بالأَمْرِ بالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ وَإِفْحامُ المبْطِلِينَ بَالْجَدَلِ الحَسَن.
ومِنْهُ: ما ذكَرَ ابنُ تَيْمِيةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي الاقْتِضاءِ فِي مُخالَفَةِ المُسْلِمِ للهَدْي الظاهِرِ للكفارِ؛ وَأنَّ المخَالَفَةَ لَهُمْ لاَ تَكُونُ إلاَّ مَعَ ظُهُورِ الدِّينِ وَعُلُوِّهِ كالْجِهَادِ؛ وإلْزَامِهِمْ بالْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ؛ وَأَنَّ المُسْلِمِينَ لَما كَانُوا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ضُعَفَاءَ؛ لَمْ تُشْرَعْ الْمُخَالَفَةُ لَهُمْ؛ فَلَمَّا كَمُلَ الدِّينُ وَظَهَرَ وَعَلاَ؛ شُرُعِتْ مُخالََفَتُهُمْ.
وهَذا الذِي قالَهُ رَحِمَهُ اللهُ لَيْسَ مَنْسُوخًا؛ بَلْ حِيْثُ وُجِدَتِ العِلَّةُ وُجِدَ الحُكْمُ، نَعَمْ ذلكَ مِن الضرُوراتِ التِي تُقَدَّرُ بِقَدْرِها؛ وإِنَّما نُرِيدُ المُسْلِمَ الساعِيَ لإقامَةِ دِينِ اللهِ فِي الأَرْضِ، لا مَن يَتَّخِذُ ذلكَ ذَرِيعَةً لِمُوافَقَتِهِ للهَوَى؛ نَعُوذُ باللهِ مِنه، وحاجَةُ المُجاهِدِينَ إلَى ذلكَ اليَوْمَ شَدِيدَةٌ، خاصَّةً مَع انْتِشارِ الظُّلْمِ وتَسَلُّطِ العَدُوِّ عَلَى أهْلِ الإسلام، وقَدْ أشارَ الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ إلَى عُمُومِ الحُكْمِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: وَمِثْلُ ذلكَ اليَوْمَ: لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ بِدَارِ حَرْبٍ؛ أَوْ دَارِ كُفْرٍ غَيْرِ حَرْبٍ؛ لَمْ يَكُنْ مَامُورًا بالمُخَالَفَةِ لَهُمْ فِي الهَدْيِ الظَّاهِرِ؛ لِمَا عَلَيْهِ فِي ذلكَ مِن الضرَرِ، بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ؛ أَوْ يجبُ علَيهِ؛ أنْ يُشارِكَهَمْ أَحْيانًا فِي هَدْيِهِمُ الظاهرِ؛ إِذَا كانَ فِي ذَلكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الدِّينِ؛ والاطِّلاَعِ عَلَى باطِنِ أَمْرِهِمْ لإخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلكَ؛ أَوْ دَفْعِ ضَرَرِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَنَحْوِ ذلكَ مِنَ المقاصِدِ الصَّالِحَةِ. انْتَهى.
ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشيْخِ أَيْضًا فِي (الاسْتِغاثَةِ فِي الردِّ عَلَى البَكْرِيِّ) : وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الرَّافِضَةِ وَ الخَوارِجِ؛ فَكَتَمَ حُبَّهُ للصَّحَابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ زِنْدِيقًا، وَلَوْ عَرَّضَ لَمْ يَاثَمْ بِذلكَ.
ومنهُ: قَوْلُهُ تعالَى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} .