الصفحة 44 من 85

قالَ ابنُ عاشُورٍ فِي التَّحْرِيرِ والتَّنْوِير: وَهَذِهِ التَّقِيَّةُ مِثْلُ الْحَالِ التِي كَانَ عَلَيْهَا الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذِينَ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا للهِجْرَةِ، قالَ تعالَى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ باِلإِيْمَانِ} ، ومِثْلُ الحالَةِ التِي لَقِيَهَا مُسْلِمُو الأَنْدَلُسِ حَينَ أَكْرَهَهُمُ النَّصَارَى عَلَى الكُفْرِ فَتَظَاهَرُوا بِهِ؛ إِلَى أَنْ تَمَكّنَتْ طَوَائِفُ مِنْهُمْ مِنَ الفِرَارِ؛ وَطَوائِفُ مِن اسْتِئْذَانِ الكُفَّارِ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى بِلادِ الإسْلامِ فَأَذِنَ لَهُمُ العَدُوّ، وَكَذلكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ التُّقَاةُ غيرَ دائِمَةٍ؛ لأنَّهَا إِذَا طَالَتْ دَخَلَ الكُفْرُ فِي الذَّرَارِي، وقَوْلُهُ: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} ؛ تَحْذِيرٌ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَمِنَ التَّسَاهُلِ فَي دَعْوَى التَّقِيَّةِ واسْتِمْرَارِها أوْ طُولِ زَمانِهَا. انتهى.

وفِي الالْتِفاتِ فِي الآيَةِ من الغَيْبَةِ بِقَوْلِهِ {لاَ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ} إلَى الخِطابِ بِقَوْلِهِ {تَتَّقُوا} تَنْبِيهٌ عَلَى رَفْعِ الحَرَجِ عِنْدَ الضرُورَةِ، قالَ ابنُ عادِلٍ فِي اللبابِ: وَذَلِكَ أّنَّ مُوَالاةَ الكُفَّارِ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقْبَحَةً لَمْ يُوَاجِهِ اللهُ تَعَالَى عِبادَهُ بِخِطابِ النَّهْيِ؛ بَلْ جَاءَ بِهِ فِي كَلاَمٍ أسْندَ الفِعْلَ المَنْهِيَّ عَنْهُ لِغَيْبٍ، وَلَمَّا كَانَتِ الْمُجَامَلَةُ فِي الظَّاهِرِ؛ والْمُحَاسَنَةُ جَائِزَةً لِعُذْرٍ وَهُوَ اتِّقَاءُ شَرِّهِمْ حَسُنَ الإقْبَالُ إِلَيْهِمْ وَخِطَابُهُمْ بِرَفْعِ الحَرَجِ عَنْهُمْ فِي ذَلكَ.

وفِي المُحَرَّرِ الوَجِيزِ لابْنِ عَطِيَّةَ الأنْدَلُسِيِّ: فَأَمَّا الذِي تَكُونُ مِنْهُ التَّقِيَّةُ؛ فَكُلُّ قَادِرٍ غَالِبٍ مُكْرِهٍ يُخَافُ مِنْهُ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الكُفَّارُ إِذَا غَلَبُوا وُجُوهَ الرؤَسَاءِ وَالسَّلاَّبَةَ وَأَهْلَ الجَاهِ فِي الحَواضِرِ. انْتَهى.

وذكَرَ ابنُ كَثِيرٍ فِي البدايَةِ والنهايَةِ عنِ الأَوْزاعِيِّ قالَ: كُنْتُ بِاليَمَامَةِ وَعَلَيْهَا رَجُلٌّ وَالٍ يَمْتَحِنُ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ - وَيُقالُ إِنَّهُ مُنَافِقٌ وَمَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ - وَيَاخُذُ عَلَيْهِمْ بِالطَّلاَقِ وَالعِتاقِ أَنْ يُسَمَّى المُسِيءُ مُنَافِقًا؛ وَمَا يُسَمِّيهِ مُؤْمِنًا، فَأَطاعُوهُ عَلَى ذَلكَ؛ وَجَعَلُوهُ لَهُ، قَالَ: فَلَقِيتُ عَطاءً فِيهَا بعدُ؛ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلك فَقَالَ: مَا أَرَى بِذَلِكَ بَاسًا، يَقُولُ اللهُ تَعالَى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . انتهى.

وفِي الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ يَتَعَلَّقُ بالمَقامِ، غَيْرَ أنَّ غَرَضَنا هُنا التَّنْبِيهُ والإشارَةُ لا الاسْتْقْصاءُ والتَّتَبُّعُ، فلا نَطِيلُ فِي ذلك.

ومِنْهُ: ما وَقَعَ فِي حَدِيثِ جابِرٍ فِي الصحِيحَيْنِ وغَيرِهما فِي قِصَّةِ كَعْبِ بن الأَشْرَفِ وأنَّ النَّبِيّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ أَذِنَ لِمُحَمِّدِ بن مَسْلَمَةَ بِأَنْ يَقُولَ مِن الكَلامِ ما تَقْتَضِيهِ المُخادَعَةُ فِي الحَرْب، (قَالَ: اِئْذَنْ لِي أَنْ أَقُول، قَالَ قُلْ) ؛ قالَ الحافِظُ: يَدْخُل فِيهِ الإِذْنُ فِي الْكَذِب تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا، ويُؤَيِّدُهُ أَيْضًا ما فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّة الْحَجَّاج اِبْن عِلاَطٍ فِي اِسْتِئْذَانه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول عَنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي اِسْتِخْلاَصِ مَالِهِ مِنْ أَهْل مَكَّة؛ وَأَذِنَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَإِخْبَاره لأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ أَهْل خَيْبَر هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ! وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ فِيهِ.

قالَ الحافِظُ رَحِمَهُ اللهُ: وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة: وَائْذَنْ لَنَا أَنْ نُصِيب مِنْك فَيَطْمَئِنّ إِلَيْنَا!؛ قَالَ قُولُوا مَا شِئْتُمْ.

قال: وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ سِيَاق اِبْن سَعْد لِلْقِصَّةِ أَنَّهُمْ اِسْتَاذَنُوا أَنْ يَشْكُوا مِنْهُ وَيَعِيبُوا رَايه!، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ لَهُ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَيْنَا مِنْ الْبَلاَءِ؛ حَارَبَتْنَا الْعَرَبُ؛ وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ.

قالَ: وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ: أَنَّ كَعْبًا قَالَ لأَبِي نَائِلَة: أَخْبِرْنِي مَا فِي نَفْسِكَ؛ مَا الَّذِي تُرِيدُونَ فِي أَمْره؟ قَالَ: خِذْلانَهُ وَالتَّخَلِّيَ عَنْهُ؛ قَالَ: سَرَرْتنِي. انتهى.

قال ابنُ العَرَبِيِّ: الْكَذِبُ فِي الْحَرْب مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِز بِالنَّصّ؛ ِ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ، وَقالَ النوَوِيُّ: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب, وَكَيْف أَمْكَنَ الْخِدَاع إلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَوْ أَمَانٍ فَلاَ يَحِلّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت