قالَ أبُو الوَلِيد: فِي فُتُوحِ الشامِ للواقِدِيِّ أنَّ الصحابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كانُوا فِي الفُتوحِ يَلْبَسُونَ - عَلَى وَجْهِ الحِيلَةِ - ثِيابَ الرومِ وصُلْبانَهُمْ ورُبَّما حَمَلُوا الصَّلِيبَ الكَبِيرَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ - يُوهِمُونَ القَومَ أَنَّهُمْ من الرومِ!؛ ثُمَّ يُباغِتُونِهَمْ فِي دِيارِهِم، ذكَرَ هَذا فِي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ من الكِتابِ، نَأتِي عَلى ذكْرِها فِي مَحَلٍّ آخَرَ إن شاءَ الله، وإِذا كانَ هَذا هَذا جائِزًَا فِي جِهادِ الطَّلَبِ والمُسْلِمُونَ فِي عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ؛ فَأَنْ يُجُوزَ فِي جِهادِ الدَّفْعِ وقَدْ أُحِيطَ بِهِمْ وهُمْ فِي شِدَّةٍ وجَهْدٍ وبَلاءٍ وقَدْ تَكالَبَتْ عَلَيْهِمْ أُمَمُ الأَرْضِ وأعْداءُ الدِّينِ مِنَ الصَّلِيبِيِّينَ واليَهُودِ وأَوْلِيائِهِمْ؛ وهُمْ فَوْقَ ذلكَ كُلِّهِ بِلا غِذاءٍ ولا دَواءٍ - كحالِ أهْلِ غَزَّةَ مَثَلًا - وحِيلَ بَيْنَهُمْ مَعَ ذلكَ وبَيْنَ مَن يَقْصِدُ مُناصَرَتَهُمْ مِن المُسْلِمِينَ؛ بَلْ مَن قَصَدَ نَصْرَتَهُمْ وأرادَ أنْ يَتَجاوَزَ إلَى بِلادِهِمْ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى عَدُوُّهِم؛ كانَ جَزاؤُهُ القَتْلَ مِمَّن لا دِينَ لَهُمْ ولا يَرْعَونَ لِمُسْلِمٍ حُرْمَةً ولا عَهْدا، فَأَنْ يَجُوزَ هَذا لِمَنْ كانَ حالُهُ ما ذَكَرْناهُ من بابِ أوْلَى.
ومِنْه: ما فِي بَدائعِ السلكِ مِن جَوازِ مُهادَنَةِ العَدُوِّ باعْطائِهِ مالًا لِضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ خَوْفَ اسْتِيلائِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، مَعَ أنَّ ذلكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ أَصْلًا كَما قال المازِرِيُّ فِيما حكاهُ ابنُ عَرَفَةَ عَنْهُ؛ وهُما مَالِكِيَّانِ -؛ واسْتُدِلَّ لِمَشْرُوعِيَّةِ ذلكَ بِما وَقَعَ من مُشاوَرَةِ الرُّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَحَاطَتْ القبائِلُ المدينةَ - السَّيِّدَيْنِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ العَطَاءُ عِنْدَ الضُّرُورَةِ جائِزًا؛ مَا شَاوَرَ فيهِ صلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّم، قالَ ابنُ الأزْرَقِ فِي البدائعِ المَذكُور: وَنَقَلُوا عَن الأَوْزَاعِيِّ أنَّ عَبْدَ الملِكِ بنَ مَرْوانَ كانَ يُؤَدِّي إِلَى الطاغِيَةِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ دِينارٍ؛ وَإِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ أَلْفَ دِينارٍ، وَذلكَ زَمانَ ابنِ الزُّبَيْرِ، وَفَعَلَهُ مُعَاوِيَةُ أَيامِ صِفِّّينَ. انتهى.
وفِي الأشباهِ والنظائِرِ للسيوطِيِّ: قالَ الشيخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: لاَ يَجُوزُ للمُسْلِمِ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا إِلَى الكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ إِلاَّ فِي صُوَرٍ؛ وذكَرَ مِنها: إِذَا أَحاطَ العَدُوُّ بِالمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ؛ وَلاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ.
وقالَ فِي بَيانِ فُرُوعِ قاعِدَةِ: الضرَرُ لا يُزالُ بالضرَر: وَ لَو أَحاطَ الكُفَّارُ بِالمسْلمِينَ وَلاَ مُقَاوَمَةَ بِهِمْ جَازَ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِمْ، وَكَذَا اسْتِنْقَاذُ الأَسْرَى مِنْهُمْ بِالمَالِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ بِغَيْرِهِ، لأَنَّ مَفْسَدَةَ بَقَائِهِمْ فِي أَيْدِيهِمْ؛ وَاصطلامَهَمُ للمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ بَذْلِ المَالِ.
وإِنَّما أَشَرْنا إلَى هَذِهِ المسائلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِنايَةَ بِها وبِمِثِلْها فِقْها وتَاصِيلًا وتَفْرِيعًا مِن أَعْظَمِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ فِي زَمانِنا هَذا؛ ولا بُدَّ مِن وُقُوفِ الفَقِيهِ عِنْدَ ذلكَ بِشَرْطِهِ الذِي أسْلَفْناهُ مِن التَّوسُّطِ بَيْنَ الإهْمالِ والتَّوَسُّعِ، مَعَ الإلْمامِ بِما لا بُدَّ مِنْهُ مِن أَحْوالِ المُسْلِمِينَ؛ وما يُرادُ بِهِمْ مِن المَكْرِ والكَيْدِ، ويَتَعَيَّنُ عَلَى الفَقِيهِ مَتَى وَقَعَتْ لَهُ نازِلَةٌ مِن هَذِهِ النوازِلِ واحْتِيجَ فِيهَا إلَى الاطِّلاعِ عَلَى ما يُلابِسُها مِن الأحْوالِ التِي لاَ يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلَيْها إِلاَّ بِجُمْلَةٍ من العُلُومِ والفُنُونِ التِي صَارَتْ من سِماتِ العَصْرِ وأسْبابِ القُوَّةِ فِيهِ؛ يَتَعَيَّنُ عَلَيهِ أنْ يَرْجِعَ فِي ذلكَ إلَى مَن يَثِقُ بِدِينِهِ وأَمانَتِهِ من أهْلِ الاخْتِصاصِ فِي ذلكَ، كما يَرْجِعُ الفَقِيهُ إلَى أَقْوالِ ثِقاتِ الأَطباءِ فِي مَعْرِفَةَ ما اسْتَجَدَّ مِن حَوادِثِهِ وعُلُومِهِ؛ وذلكَ رُكْنٌ لا تَصِحُّ الفَتْوى إلاّ بِهِ.
ومِن أحْسَنِ ما تَقِفُ عَلَيْهِ منَ المسائِلِ والفُرُوعاتِ فِي هَذا المَقامِ ما فِي فَتاوَى الحَنَفِيَّةِ ووَاقِعاتِهِمْ، وما فِي نَوازِلِ المالكِيَّةِ، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ، لأنَّ الأولِينَ انْتَشَرَ مَذْهَبُهُمْ فِي عُصُورٍ طِوِيلَةٍ فِي الإسْلامِ، وفِي زَمَنِ العُثْمانِيّينَ خاصَّةً، وقَدْ اتَّسَعَتْ مَمْلَكَةُ العُثْمانِيِّنَ اتِّساعًا عَظِيمًا؛ حَتَى بَلَغَتْ فِي أوْسَعِ عُهُودِها نَحْوَ عَشْرِينَ أَلْفِ ألْفٍ مِنَ (الكِيلومِتْراتِ) المُرَبَّعَةِ!، وأحْوَجَهُمْ هَذا إلَى التَّعامُلِ مَعَ أمَمٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الطباعِ والأجْناسِ والعاداتِ واللغاتِ والمَذاهِب، كما أحْوجَ