العُلماءَ فِي المَذْهَبِ خاصَّةً إلَى التَّوَسُّعِ فِي نَوازِلِ السياسَةِ الشَّرْعِيَّةِ ومِنْ ذلكَ نوازِلُ الجِهادِ وأحْكامِهِ، ولِذا تَرَى فِي كُتُبِهِم من المَسائلِ والتَّوَسُّعِ فِيها ما لا تَرى مِثْلَهُ فِي غَيرِها من كُتُبِ المَذاهِب، كالكلامِ فِي الرافِضَةِ وأحكامِ قِتالِهِم، وقَوْلِهِم بِجَوازِ مُصالَحَةِ المُرْتَدِّينَ إِذا غَلَبُوا عَلَى دارٍ وصارَتْ دارُهُمْ دارَ حَرْبٍ؛ لا إنْ لَمْ يَغْلِبُوا عَلَيْها؛ قالَ فِي الدرِّ المُخْتارِ: لأَنَّ فِيهِ تَقْرِيرَ المُرْتَدِّينَ عَلَى الرِّدَّةِ وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، ونَحْوُهُ فِي بَدائعِ الصنائعِ، وفِي فَتْحِ القَدِيرِ أيْضًا، وفِي تُحْفَةِ الفُقهاءِ للسمَرْقَنْدِي: وَكَذلِكَ المُوَادَعَةُ فِي حَقِّ المُرْتَدِّينَ وَأَهْلِ البَغْيِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، لأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الأَمَانِ. انتهى، وفِي دُرَرَ الحُكام: لأَنّهُ تَرْكُ الْقِتَالِ لِمَصْلَحَةٍ فَجَازَ، كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وما قِيلَ فِي مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ يُقالُ فِي مَذْهَبِ المالِكِيَّةِ، فَإنَّهُ قَدْ طالَ أمَدُهُ فِي الأَنْدَلُسِ وبِلادِ المَغْرِب، مَعَ التَنْبِيهِ عَلى أنَّ مَذْهَبَ الحَنَفِيَّةِ سابِقٌ عَلَيْهِ هُناكَ أيْضًا، ولا يَخْفاكَ أنَّ الأنْدَلُسَ كانَتْ الثَّغْرَ الأكْبَرَ للمُسْلِمينَ فِي مَغْرِبِ العالَمِ الإسلامِي عُهُودًا طَويلَةَ الأَمَد، وقَدْ كَثُرُ التَّآمُرُ عَلَيْها مِن أعْداءِ الإسلامِ من الصَّلِيبِيِّينَ، ومَرَّ بِها مِن الأطْوارِ والأحْوالِ ما امْتازَتْ بِهِ عَن بَقِيَّةِ البِلادِ؛ مَعَ ما اشْتَهَرَتْ بِهِ من التَّقَدُّمِ والازْدِهارِ فِي العُلُومِ والفُنُون، وكانَ لَها مِن التَّعَلُّقِ بِبِلادِ المَغْرِبِ عَلى مَرِّ التارِيخِ الإسلامِيِّ ما أَثَّرَ فِيهما تَأثِيرًا بالِغًا فِي التعاوُنِ فِي الجِهادِ؛ وَتَبادُلِ العِلْمِ والثَّقافَةِ والخِبْرَةِ والمَعْرِفَةِ وأسالِيبِ الحَياةِ واشتِراكِ الأُمَّتِيْنِ فِيها، بَلْ يَكادُ يَكُونُ تارِيخُ الأنْدَلُسِ والمَغْرِبِ تارِيخًا واحِدًا لاَ انْفْصالَ بَيْنَهُما فِيه، وَهَذا كُلُّهُ حَمَلَ العُلماءَ هُناكَ عَلى التَّصَدِّي لِكَثِيرٍ من النَوازِلِ والوَقائعِ التِي أكْسَبَتِ المَذْهَبَ تَطَوُّرًا وسَعَةً فِي الفِقْهِ لا نَظِيرَ لَهُ فِي المَذاهِبِ الأُخْرى.
وفِي سَعَةِ العِلْمِ تَوْسِيعٌ للمدارِكِ وفُسْحَةٌ للأنْظارِ والعُقُولِ، يَكْتَسِبُ المَرْءُ مَعَهُ دِقَّةً وعُمْقًا فِي الفَهْمِ، وَوَرَعًا فِيما يُطْلِقُ من الأحكام، والواجِبُ عَلى مَن بَسَطَ اللهُ تعالَى لَهُ فِي الطلَبِ أنْ يَحْرِصَ علَى ذلكَ، خاصَّةً إنْ كانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ بَينَ الناسِ، لأنَّ اكْتِسابَ العالِمِ لمَلَكَةِ الفِقْهِ والفَهْمِ يَعُودُ بالنَّفْعِ عَلى الأتْباعِ ولا بُدَّ، ثُمَّ عَلَيهِ مَعَ هَذا أنْ يُرَبِيَّ فِي نُفُوسِ الطَلَبَةِ الرُّجُوعَ إلَى الحَقِّ حَتَّى يَألَفُوا ذلكَ ويَعْتادُوهُ، ولَعَمْرُ اللهِ إنَّها لمِنْ ضَرُوراتِ المسائِلِ، والغَفْلَةُ عَن هَذا أو القَصُورُ فِيهِ هُوَ الذِي جَعَلَ كَثِيرًا مِن الأَصاغِرِ والمُتَطاوِلِينَ عَلى مَقامِ العِلْمِ يَظُنُّونَ كُلَّ قَوْلِ يَقُولُ بِهِ المُتْبُوعُ عَقِيدَةً لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهَا!؛ ونَهْجًا يُتَّهَمُ مُخالِفُهُ بالزِّيْغِ والانْحرافِ!، حَتَّى بِتْنا نَسْمَعُ مِن هَؤلاءِ أَنَّ فَلانًا قَدْ سَقَطَ!؛ لأَنَّهُ خالَفَ فِي فَتْواهُ ما اسْتَقَرَّ عِنْدَهَمْ أَنَّهُ هُو الحَقُّ المُبِينُ، والعَجَبُ أنْ تَرى ذلكَ فِي مسائِلَ من الفِقْهِ تَحْتَمِلُ مِن أَقْوالِ المُجْتَهِدِينَ ما يَصْعُبُ حَصْرُهُ، فَإنْ شاءُوا بَعْدَ ذلكَ جَرُّوهُ من السقوطِ! إلَى الإهْمالَِ! إلى الخُروجِ عَن السنَّةِ! إلى التَبْدِيعِ!؛ ورُبَّما أخَذَتْهُمْ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ فَكَفَّرُوه!.
قالَ خادِمُ العِلمِ أبو الوليدِ عفا اللهُ عَنه: إلَى اللهِ وَحْدَهُ المُشْتَكَى، كُنّا فِي أَبِي شِبْرٍ فَصِرْنا إلَى أَبِي عُقْلَةٍ (من عُقْلَةِ الأصْبع) !، وإنَّ البَلِيَّةَ كُلَّ البلِيَّةِ أنْ يُجارِيَ حَمَلَةُ العِلْمِ هَؤلاءِ الجَهَلَةَ دُونَ الأخْذِ عَلى أيْدِيهم، وكأنَّ المُطْلُوبَ مِن العالِمِ أنْ يُجارِيَهُمْ فِيما يَظُنُّونَ، ولَعَلَّكَ بِهَذا تُدْرِكَ مَقاصِدَ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ لَمَّا كانوا يَنْهَونَ أتْباعَهُمْ عَن تَقْلِيدِهِمْ، ويُعِيدُونَ عَلى أسْماعِهِمْ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ أنَّهُمْ يَقُولُونَ القَوْلَ ويَرْجِعُونَ عَنْهُ غَدًا، وهَذا هُوَ الحَقُّ واللهُ، فَإنَّ العالِمَ مَهْما بَلَغَ مِن العِلْمَ لَمْ يَزَلْ تَغِيبُ عَنْهُ أشْياءٌ وأشياءٌ!، فَإنْ وُفِّقَ إلَى مَزِيدِ المُطالَعَةِ والبَحْثِ أوجَبَ لَهُ ذلكَ مَعْرِفَةَ مالا عِلْم لَهُ بِهِ مِن قَبْلُ، ولَيْسَ عِلْمُ الرجُلِ فِي الثَلاثِينَ من عَمُرِهِ كَعِلْمِهِ إِذا بَلَغَ الخَمْسينَ مَثَلًا؛ إلا أنْ يَكُونَ مَغْبُونًا؛ نَسألُ اللهَ السلامَةَ والعافِيةَ، ومُقْتَضَى الاسْتِزادَةِ من العِلْمِ أنْ يَرْجِعَ الرجُلُ عَن قِولٍ قالَهُ أو مَذْهَبٍ كانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ إِذا ظَهَرَ لَهُ من الصوابِ ما كانَ خافِيًا