الصفحة 47 من 85

عَلَيْهِ، وهَذا مِن بَرَكَةِ العِلْمِ ومِن عَلاماتِ الصدْقِ مَعَ اللهِ تعالَى فِي طَلَبِهِ، فَلِمَ هَذِهِ الحَمَلاتُ المُنْكَرَةُ عَلَى كُلِّ مَن خالَفَ مِن العُلَماءِ فِي أَمْرِ لا يَزَالُ الخِلافُ فِيهِ وَاسِعًا، حَتَّى رَأَيْتُ مِن هَؤلاءِ مَنْ يَتَحامَلُ عَلَى مَنْ خالَفَ شَيْخَهُ فَذَهَبَ إلَى القَبْضِ بَعْدَ الركُوعِ لأَنَّ شَيْخَهُ قَائلٌ بالإرْسالِ بَعْدَهُ!، ومَنْ يَتَحامَلُ عَلَى مَن قالَ بِوُجُوبِ تَغْطِيَةِ الوَجْهِ لأَنَّ شَيْخَهُ قائِلٌ بِجَوازِ كَشْفَهِ!، ومَنْ يَتَحامَلُ عَلَى مَن يَقُولُ بَأنَّ تَصْرِيحَ الدُّخُولِ إلَى بِلادِ الكُفارِ المَعْرُوفِ (بِالتَّاشِيرَةِ) بِمَنْزِلَةِ عَقْدِ الأمانِ بَيْنَ الداخِلِ وبَيْنَهُمْ فَلا يَحِلُّ لَهُ الأخْذُ مِن أَمْوالِهِمْ ولاَ العُدْوانُ عَلَى دِمائِهِمْ لِما أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ مَن الوَفاءِ بالعُقُودِ وما حَرَّمَهُ مِن الغَدْرِ والخِيانَةِ؛ لأَنَّ شَيْخَهُ يَذْهَبُ إلَى خِلافِ ذلكَ، ومَنْ يَتَحامَلُ عَلَى مَن يُنْكِرُ قَتْلَ مَن وَقَعَتِ الشبْهَةُ فِي جَوازِ قَتْلِهِ فِي الجِهادِ إذِ الأَصْلُ فِي الدماءِ العِصْمَةُ فَلا يُسْتَباحُ مِنْها شَيءٍ إلاَّ بِدَلِيلِ قَطْعِيٍّ لا لَبْسَ فِيهِ ولا غُمُوضَ؛ لأَنَّ مَتْبُوعِيهِ يَسْتَحِلُّونَ ذلكَ!، ومَن يَتَحامَلُ عَلَى مَن قالَ بِحُرْمَةِ قَتْلِ النِساءِ والصبْيانِ ولَوْ عَلَى سَبيلِ المُعاقَبَةِ بالمِثْلِ؛ لأَنَّ شَيْخَهُ يَذْهَبُ إلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذلكَ!، ومَنْ يَتَحامَلُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ انْعِقادَ الإمامَةِ العُظْمَى لأَحَدٍ مِن الناسِ إلاَّ بِحَصُولِ الشوْكَةِ ومُوافَقَةِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ فِي الأُمَّةِ؛ وأَنَّها بِغَيْرِ ذلكَ لا تَنْعِقِدُ وإنْ سَمّاها النّاسُ ما شاءُوا؛ فَإنَّ الأُمُورَ بِحَقَائقِها ومُسَمَّياتِها لا بالأسْماءِ وحْدَها؛ لأَنَّ عَمِيدَ الطائِفَةِ يَزْعُمُ بُطْلانَ اشْتِراطِ الشوْكَةِ فِي انْعِقادِ الإمامَةِ والخِلافَةِ!.

وَهَذِهِ الأَحْوالُ لا تَسْتَقِيمُ عَلَيْها أُمَّةٌ ولا يُقُومُ بِها سُلْطانٌ ولا دَولَةٌ، ومَا هِيَ واللهِ بِمَوازِينِ عَدْلٍ وصِدْقٍ، بَلْ هِيَ مِن ثِمارِ الجَهْلِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ومِن آثارِ العَصَبِيَّةِ الجاهِلَيَّةِ التِي تَرْتَدِي ثِيابَ النُّسُكِ والوَرَعِ؛ وتُحَرِّمُ عَلى الناسِ تَقْلِيدَ الشافِعِيِّ وَأَحْمَدَ؛ ثُمَّ تَحْجُرُ عَلَى العُقُولِ والمَواهِبِ والأَفْكارِ والمَلَكاتِ؛ لِتَنْشَأَ عَلَى الوَلاءِ للمُتْبُوعِ وتَحْقِيقِ أغْراضِهِ فَحَسْبُ؛ وإنْ كانَ منْ أَفْقَرِ الناسِ عِلْمًا وفَهْمًا!، ولِذا أَنْتَجَ هَذا المِيزانُ تَكْثِيرَ العَداواتِ؛ واصْطِناعَ الخُصُوماتِ؛ وتَنْفِيرَ القَرِيبِ قَبْلَ البَعِيدِ، مَعَ خُلُوهِ عَن تَقْدِيرِ المَصالِحِ ومُراعَاتِها، وأَنَّى يَكُونُ لَهُمْ ذلكَ وهُمْ يَعُدُّونَهُ مِن القُوَّةِ فِي الأَخْذِ بالحَقِّ؛ ومِن الصلابَةِ فِيهِ، فَهُمْ يَجْرُونَ بِلِسانِ الحالِ عَلَى حَدِّ قَولِ القائلِ: إِمَّا مَعَنا وَإمَّا عَلَينا!؛ وإنْ أنَكَرُوهُ بِلسانِ المَقالِ، وهَؤلاءِ لِجَهْلِهِم يُرِيدُونَ أنْ يَطْرُدُوا ذلكَ فِي أَحْوالِ الفَرْدِ والجَمَاعَةِ والأُمَّةِ!، وكَأنَّ الواجِبَ عَلَى الجَماعِةِ الفَتِيِّةِ والدَّوْلَةِ الناشِئَةِ أنْ تُعْلِنَ الحَرْبَ عَلَى أُمَمِ الأَرْضِ قاطِبَةً فِي وَقْتٍ واحِدٍ وساعَةٍ واحِدَةٍ، ولا يَشْفَعُ لَها إِيواءُ المُهاجِرِينَ ونَصْرَةُ المُسْتَضْعَفِينَ، كما وقَعَ زَمَنَ الإمارَةِ مَكَّنَ اللهُ تعالَى لَها، بَلْ كُلُّ مَن آوَى إلَيْها يُرِيدُ أنْ يَقْصِدَ مَن شاءَ ويُناوِشَ مَن شاءَ، ثُمَّ عَلَيْها وعَلَى الأُمَّةِ أنْ تَتَحَمَّلَ تَبِعَةَ ما يَصْنَعُ لأَنَّهُ مِن الوَلاءِ للمُؤْمِينَ!، فَإِذا أخَذَتْ عَلَى يَدِ بَعْضِهِمْ ومَنَعْتْهُمْ مِن ذلكَ - تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الجَماعَةِ والدَّوْلَةِ، وحَذَرًا مِن فَتْحِ ثَغَراتٍٍ تَعْجَزُ عَن سَدِّها؛ فَتَذْهَبُ بِها وبِهِمْ أجْمَعِينَ؛ ولأَنَّ اللهَ تَعالَى جَعَلَ التَّدَرُّجَ سَنَّةً كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةَ لا مَنْدُوحَةَ مِن الأَخْذِ بِها فِي السعْي للتَّمْكِينَ، ولأَنَّ هَدِي النَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ وسِيرَتَهُ فِي مُعامَلَةِ الناسِ والخُصُومِ تَقْضِي بِما ذكَرْناه، إنْ هِيَ أَخَذَتْ عَلَى أَيْدِيهمْ لِهَذا وذاكَ؛ - كانَ صِنِيعُها مِن الوَلاءِ للكافِرِينَ!؛ ومِن الصَّدِ عَن سَبِيلِ المُؤْمِنينِ، كَما كانَ بَعْضُ أرْكانِ الجَهْلِ يُعَرِّضُونَ بِتَكْفِيرِ إمارَةِ الطالِبانِ بِمْثْْلِ ذلكَ، ولا نَزالُ نَرَى لَهُ أمْثِلَةً إلَى يَوْمِنا هَذا!.

ومَن غَفِلَ عَن تَأثِيرِ الأتْباعِ عَلى المَتْبُوعِ فَقَدْ أَعْظَمَ الخَطَأَ، وقَدْ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: تَعَلَّمُوا قَبْلَ أنْ تُسَوَّدُوا، وصَدَقَ رَحِمَهُ الله، فَإنَّ الإنْسانَ مَتَى صارَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ شَقَّ عَلَيْهِ الرجُوعُ عَن قَوْلٍ قالَهُ أو مَذْهَبٍ اخْتارَهُ، لأَنَّ ذلكَ مِمَّا يُهَيِّجُ الأتْباعَ فِي العادَةِ، إِلاَّ أنْ يُوجِبَ ما عِنْدَ المَتْبُوعِ من العِلْمَ الإحْسانَ فِي تَرْبِيَةِ الأتْباعِ وتَعْلِيمِهِم وتَادِيبِهِمْ بَأدَبِ الشرْعِ والدِينِ، حَتَّى يَرُوضَ نُفُوسَهُمْ ويُوَطِّأَ أكْنافَهُمْ عَلى طَلَبِ الحَقِّ وقُبُولِهِ والإذْعانِ لَهُ، كَما هُو حالُ أكابِرِ الأَئمَّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت