الصفحة 58 من 85

أمّا لَفْظُ (الإرْهابِ) بالمَعْنَى الذِي اخْتَرَعَهُ أعْداءُ الإسْلامِ؛ ثُمَّ جاراهُمْ فِيهِ المُرْصَدُونَ لَتَبَنِّي نَفَثاتِ الأَعْداءِ فِي أُمَّتِنا!، ثُمَّ شاعَ عَلَى الألْسِنَةِ وانْتَشَر، ثُمَّ استَعْمَلَهُ بَعْضُ العُلَماءِ والطَّلَبَةِ!، وهُو الذِي نَقَلْناهُ عَن المُعْجَمِ والمُنْجِدِ فَهَذَا لا مَحَلَّ لَهُ مِن الشرْعِ، لأَنَّ السِّياسَةَ فِي الإسْلامِ مِن الإسلامِ، فَإنْ كانَ المُرادُ أَنْ يَسْعَى المُسْلِمُونَ إلَى إقامَةِ دَوْلَةِ الإسْلامِ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ وأحْكامِهِ التِي جاءَ بِها الوَحْيانِ الشرِيفانِ فَذلكَ واجِبٌ عَلَى المُسْلِمِينَ لا يَسَعُهُمْ تَرْكُهُ.

ثُمَّ إنْ كانَ الحاكِمُ قائِمًا بِدِينِ اللهِ وشَرْعِهِ لَمْ يَجُزْ لأَحَدٍ أنْ يَخْرُجَ عَلَيهِ، ومَنْ خَرَجَ عَلَيهِ كانَ (باغِيًا) ؛ وللبُغاةِ أحْكامٌ تَخُصُّهُمْ فَصَّلَها الأَئمَّةُ فِي كُتَبِ الفِقْهِ رَحِمَهمُ الله.

وإِنْ وَقَعَ مِن الحاكِمِ كُفْرٌ بَواحٌ لا خَفاءَ فِيه؛ وقامَ عَلَيهِ بُرْهانٌ مِن الشَّرْعِ، كانَ هَذا بِمَنْزِلَةِ الصائِلِ الذِي يَتَعَيَّنُ عَلَى المُسْلِمِينَ دَفْعُهُ، فَإنْ أمْكَنَ أَهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ مِن العُلَماءِ ورُؤُوسِ الناسِ خَلْعُهُ وَالقِيامُ بِأمْرِ الشَّرْعِ وإنْفاذُ أَحْكامِهِ مِن غَيْرِ قِتَالٍ وإراقَةِ دَمٍ وجَبَتِ المُبادَرَةُ إلَيهِ.

وإنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلاَّ بِأَنْ يَنْصِبُوا لِحَرْبِهِ وجَبَ بِشَرْطَيْنِ:

-القُدْرَةِ عَلَى ذلكَ، وتَقْدِيرُها مُفَوَّضٌ إلَى أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ؛ مِن العُلَماءِ وذَوي الخِبْرَةِ والِشَّأنِ مِن عُدُولِ المُسْلِمين، ومَعَ العَجْزِ فَلا تَكْلِيفَ، والواجِبُ حِينَئِذٍ الصَّبْرُ والسَّعِيُ فِي تَحْصِيلِ أسْبابِ القُدْرَةِ؛ والمَيْسُورُ لا يَسْقُطُ بالمَعْسُور.

-والثانِي: أَنْ لا يُفْضِيَ القِيامُ بِذلكَ إلَى مَفْسَدَةٍ أعْظَمَ، فَإنَّ الكُفْرَ لَيْسَ عَلَى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، ولا عَداؤُهُ للإسلامِ والمُسْلِمِينَ علَى مَنْزِلَةٍ واحِدَةٍ، وَرُبَّما كانُوا أَقْدَرَ علَى تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ فِي زَمانٍ دُونَ آخَرَ، ولأَنَّ تَحْصِيلَ المَصْلَحَةِ مِن وَجْهٍ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِها باطِلٌ؛ فَيُمْنَعُ، ومَتَى تَرَجَّحَ حُصُولُ المَصْلَحَةِ بالقِتالِ تَعَيَّنَ ذلكَ، فإنَّ البادِيَةَ والحَاضِرَةَ لَو اقْتَتَلُوا حَتَّى يَذْهَبُوا عَن آخِرِهِمْ كانَ أهْونَ مِن أنْ يَنْصِبُوا فِي الأرْضِ الخُكْمَ بِخِلافِ شَرِيعَةِ الله.

فَهَذا حُكْمٌ قَرَّرَهُ الشَّرْعُ؛ سَواءٌ سَمَّاهُ المُولَعُونَ بِهَذِهِ التَعْرِيفاتِ مَطْلَبًا سِياسِيًّا؛ أَوْ عُنْفًَا؛ أوْ إرْهابًا؛ أوْ طَلَبَ سُلْطَةٍ؛ أَو ما شاءُوا، فَلا عِبْرَةَ بِذلكَ كُلِّهِ، بَلْ الواجِبُ أنْ يُسَمَّى بِما سَمَّاهُ بِهِ الشرْعُ، وهُوَ مِن نَوْعِ الجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.

ولا يَجُوزُ فِي الإسْلامِ الاعْتِداءُ علَى مَعْصُومِ الدَّمِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ؛ سَواءٌ كانَ مُسْلِمًا، أوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ - كالمُعاهَدِ والذِّمِّيِّ مَثَلًا -؛ كما لا يَجُوزُ إِخافَةُ السَبِيلِ؛ ولاَ تَرْوِيعُ مَن جَعَلَ لَهُمُ الشرْعُ حَقَّ الأمْنِ والأمانِ؛ لِتَحْقِيقِ غَرَضٍ وإنْ كانَ مَشْرُوعًا فِي كِتابِ اللهِ تعَالَى وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَواتُ اللهُ وسَلامَهُ عَلَيهِ، وإِنَّما تِلْكَ شِرْعَةُ مَن لاَ دِينَ لَهُمْ مِنَ المُنَظَّماتِ التِي أَنْتَجْتْها الأُمَمُ الكافِرِةُ باللهِ تَعالَى وبِنَبِيِّهِ وشَرْعِهِ؛ مِن نَحْوِ (الأَلْوِيةِ الحَمْراءِ) فِي إيطاليا؛ و (الجَيْشِ الأَحْمَرِ) فِي ألْمانيا الغَرْبِيَّةِ؛ والمُنَظَّماتِ اليَهُودِيَّةِ مِثْلِ (الهاغَانا، والهاشُومِير، والبالماخِ، والأرْغُونِ، وعِصابَةِ اشْتِيرْن، ومُنَظَّمَةِ كاخٍ) ، ومَجْمُوعَةِ (فالن) فِي أمْرِيكا التِي قامَتْ بِقَتْلِ الناسِ فِي أعْمالٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي سَبْعِيناتِ القَرْنِ العِشْرِينَ للمُطالَبَةِ باسْتِقْلالِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت