الصفحة 59 من 85

(بُورْتُورِيكُو) عَن الوِلاياتِ المُتَحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، ونَحْوِها مِن المُنَظَّماتِ التِي يَذكُرُ الباحِثُونَ وَالدارِسُونَ لَها أَنَّ الدَّوافِعَ لأعْمالِها مِنْهُ ما هُوَ اقْتِصادِيٌّ أوْ نَفْسِيٌّ أو اجْتِماعِيٌّ أو ثَقافِيٌّ أو تارِيخِيٌّ!، مِمَّا لا عِبْرَةَ لِشَيْءٍ مِنْهُ فِي الشَّرْعِ إِلاَّ أنْ يُوافِقَ أُصُولَهُ وقَواعِدَهُ التِي أَشَرْنا إلَى بَعْضِها فِيما سَبَق.

وأَمَّا الجِهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَسَواءٌ كانَ لِدَفْعِ صائِلٍ عَن بِلادِ المُسْلِمينَ؛ أَوْ كانَ غَزْوًا لِبِلادِ الكُفّارِ؛ فَما كانَ مِنْهُ مُوافِقًا لأَحْكامِ الشرْعِ فَقَدْ سَمّاهُ الشارِعُ جِهادًا فِي الحالَيْنِ؛ وإِنْ سَماهُ الناسُ غَيْرَ ذلكَ، ومَا كانَ مِنْهُ مُخالِفًا للشَّرْعِ فَلَيْسَ مِن الجِهادِ فِي شَيءٍ، وإنْ زَعَمَ نِسْبَتَهُ إلَى الجِهادِ مَن زَعَمَ، ثُمَّ المُخالَفَةُ للشَّرْعِ فِي ذلكَ إِمَّا أنْ تَكُونَ خَطَأً مِن الفاعِلِ بِتَاوِيلٍ يَتَأَوَّلُهُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ كَما وَقَعَ لِخالِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قَتَلَ بَنِي جُذَيْمَةَ ثُمَّ وَدَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ قَتْلاهُمْ، وكَما وَقَعَ لَمّا رَأَى امْرأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغازِيهِ فَأنْكَرَ قَتْلَ النِّساءِ والصِّبْيانِ؛ وعِنْدَ النَّسائِيِّ وَغَيْرِهِ عَنِ الأَسْوَدِ بنِ سَرِبعٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَظَفِرْنَا بِالْمُشْرِكِينَ؛ فَأَسْرَعَ النَّاسُ فِي القَتْلِ حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ!؛ فَبَلَغَ ذلكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوامٍ ذَهَبَ بِهِمُ القَتْلُ حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ؟!؛ أَلاَ لاَ تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً؛ ثَلاَثًا. فَتَأمَّلْ كَيْفَ وَقَعَ الخَطَأُ مِن كَبِيرِ قادِةِ الجَيْشِ خالِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَوَقَعَ مِنْ عامَّةِ الجَيْشِ فِي الغَزْوَةِ المَذكُورَةِ ولَمْ يَكُنْ ذلكَ مُوجِبًا لِنَزْعِ صِفَةِ الجِهادِ والمُجاهِدِينَ عَنْهُمْ، فَضْلًا عَن وَصْفِهِمْ بِما يَنْعَتُهُمْ بِهِ الكُفارُ والمُشْرِكُونَ مِن أَنْواعِ النُّعُوتِ والألْقابِ!، وقَدْ كانَ كُفارُ قُرَيْشٍ يَنْعَتُونَ المُسْلِمِينَ بالصابِئِينَ!، وبِأّنَّهُمْ قَاطِعُوا الرَّحِمِ، و مُفَرِّقُوا الجَماعَةِ؛ يُفَرِّقُونَ بَينَ الرجُلِ وأبِيهِ؛ والأخِ وأخِيهِ، وأنَّهُمْ مُعْتَدُونَ لا يَرْعَونَ حُرْمَةً لِقُرْبَى ولا لِدَمٍ ولَو فِي الشَّهْرِ الحَرامِ!، واللهُ يَعْلَمُ فِي ذلكَ كُلِّهِ مَنْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كافِرٌ بِهِ سُبْحانَهُ؛ صادٌّ عَن سَبِيلِهِ؛ وعَن بَيْتِهِ الحَرامِ؛ مُخْرِجٌ لأَهْلِهِ مِنْهُ؛ قاطِعٌ للرحَمِ؛ مُفَرِّقٌ لِجماعَةِ المُؤْمِنِينَ.

وكَما أنّ القِتالَ الحَقَّ الذِي أمَرَ بِهِ الشرْعُ عِبادَةٌ يُتَقَرَّبُ بِها إلَى اللهِ تعالَى، فَإنَّ القِتالَ الظُّلْمَ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ حِينٍ، وقَدْ نَهَى عَنْهُ الشارِعُ أشَدَّ النَّهْيَ وسَمَّاهُ عُدْوَانًا؛ فَقالَ سُبْحانَهُ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ، وهذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي القِتالِ، وقِيلَ: غَيْرُها، وهِي إِذْنٌ لِدَفْعِ هُجُومِ العَدُوِّ، ثُمَّ نَزَلَتْ {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} مِن سُورَةِ بَراءَةَ فَنَسَخَتْها، والراجِجُ أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا مَنْسُوخَةٌ؛ وهُو قَوْلُ ابنِ عباسٍ ومُجاهِدٍ وعُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيزِ، وَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا بالذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ: الّذِينَ هُمْ مُتَهَيِّئُونَ لِقِتَالِكُمْ؛ أَيْ: لاَ تُقَاتِلُوا الشُّيُوخَ وَالنِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وحَكَى الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلًا آخَرَ: أَنَّ المُرَادَ بِهِمُ الكُفّارُ كُلُّهُمْ، فَإِنَّهُمْ بِصَدَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا. انتهى.

وعَلَى القَولِ بالنَّسْخِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: {وَلاَ تَعْتَدُوا} ؛ مَعْناهُ: لاَ تَبْتَدِئُوا بِالقِتَالِ، وَقَوْلَهُ: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} : تَحْذِيرٌ مِنَ الاعْتِدَاءِ، قالَ ابنُ عاشُور: وَذَلكَ مُسَالَمَةٌ للْعَدُوِّ وَاسْتِبْقَاءٌ لَهُمْ وَإِمْهَالٌ حَتّى يِجِيئُوا مُؤْمِنينَ. انتهى.

وعَلى قَوْلِ ابنِ عَباسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه: فالمَعْنَى: لاَ تَعْتَدُوا فِي القِتَالِ إِنْ قَاتَلْتُمْ، وَالاعْتِدَاءُ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ تَرْجِعُ إِلَى تَجَاوُزِ أَحْكَامِ الْحَرْبِ، وَمَعْنَى الاعْتِدَاءِ: الابْتِدَاءُ بِالظُّلْمِ، وقَدْ قالَ تَعالَى فِي وَعِيدِ مَن اعْتَدَى فِي الدِّماءِ وتَجاوَزَ حُدُودَ ما شَرَع: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

فَهَذا هُوَ قَوْلُ الشرْعِ وحُكْمُهُ، ولَيْسَ مِن شَانِ أهْلِ العِلْمِ مِن المُسْلِمِينَ مُجارَاةُ عَدُوِّ الدِّينِ فِيما يَصْطَنِعُهُ مِن الألفاظِ، خاصَّةً إِذا كانَ إِطْلاقُ اللفْظِ يَخْدِمُ أَغْراضَهُ مِن العُدْوانِ علَى الشَّرْعِ وصَدِّ الناسِ عَنْهُ وعَن أهْلِهِ وحَمَلَتِهِ، كَما يَصْنَعُونَ فِي البابِ الذِي نَحْنُ فِيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت