الصفحة 60 من 85

ولَوْ أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يُسَمِّيَ الجِهادَ الذِي أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ (إرْهابًا) ؛ أو أنْ يُسَمِّيَ المُجاهِدِينَ القائِمِينَ بِهَذهِ العِبادَةِ كَما أَمَر بِها سُبْحانَهُ إرْهابِيِّينَ؛ لِقَولِهِ تعالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} ؛ لكانَ المُتَعَيِّنُ نَهْيَهُ عَن ذلكَ؛ لما يُفْضِي إلَيْهِ مِن تَلِبِيسِ الحَقِّ عَلَى الخَلْقِ، كما نَهَى اللهُ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ عَن تَقْلِيدِ اليَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ (رَاعِنَا) وأمَرَهُمْ أنْ يَقُولُوا (انْظُرْنا) ، ولأَنَّ الواجِبَ تَسْمِيَةُ العِباداتِ بِما سَمَّاها اللهُ تَعالَى بِهِ، وإنْ كانَ إِرْهابُ عَدُوِّ الدِّينِ مِن مَقاصِدِ الإِعْدادِ والجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.

نَعَمْ؛ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللفْظَةَ المُفَسْرُونَ فِي مَواطِنَ بِمَعْنَى التَّرْهِيبِ الذِي هُو قَرِينُ التَّرْغِيبِ؛ كما نَقَلَ الألوسِيُّ قَوْلَ بَعْضِ العُلماء: إنَّ آياتِ الوَعِيدِ مُقَيَّدَةٌ بالمَشيئَةِ؛ لكِنَّها لَمْ تُذْكَرْ لِمَزِيدِ الإرْهاب، وكما ذكَرَ أبو حيانٍ فِي قَوْلِهِ تعالَى عنْ فِرْعَونَ: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} ؛ أَنَّهَ عَدَلَ إلَى لَفْظِ الماضِي إشارَةً إلَى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ؛ ولِما فِي ذلكَ مِن الإرْهابِ والتَّخْوِيفِ.

نَعَمْ؛ واسْتَعْمَلَهُ الفُقَهاءُ فِي مَواضِعَ مِن فِقْهِ الجهاد:

مِنْها: لِباسُ الحَرِير؛ عَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بالإرْهابِ للعَدُو، حكاهُ فِي المُنْتَقَى شرحِ الموَطأِ عن ابنِ الماجِشُون؛ وذَكَرَهُ ابنُ العَرِبِيِّ فِي أحْكامِ القُرْآنِ ورَدَّهُ، وَذَهَبَ الشّوْكانِيُّ فِي السَّيْل الجَرَّارِ إِلَى المَنْعِ أيْضًا؛ وقَالَ: وَالحَاصِلُ أَنَّ التَّرْهِيبَ عَلَى العَدُوِّ هُوَ مَقْصَدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ وَلِكِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاّ بِمَا عَرَّفْنَاكَ. يَعْنِي: من العُدَّةِ والسِّلاحِ؛ لأَنَّ لِباسَ الحَرِيرِ تَشَبُّهٌ بِرَبّاتِ الحِجالِ؛ وخُرُوجٌ عَن عَدِيدِ الرجال. انتهى. وحكاهُ ابنُ بَطّالٍ فِي شَرْحِ البُخارِي عَن المُهَلَّبِ؛ وأَنَّهُ ألْحَقَ بِهِ تَحْلِيَةَ السُّيُوفِ وكُلَّ ما اسْتُعْمِلَ فِي الحَرْبِ، قالَ ابنُ تَيْمِيَةَ فِي شَرْحِ العُمْدَةِ: لأَنَّ المَقْصُودَ مِنَ السِّلاَحِ قِتَالُ العَدُوّ وَإِرْهَابُهُ فَجَازَ أَنْ يُحَلًَّى بِمَا يُفِيدُ إِرْهَابَ العَدُوِّ.

قالَ كاتِبُهُ كانَ اللهُ لَه: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذكَرَ المانِعُون، بلْ مَن ذَهَبَ إلَى الجَوازِ أرادَ أنَّ ارْتِداءَ ثِيابِ الحريرِ من قِبيلِ الخُيَلاءِ المَاذُونِ بِهَا فِي الحَرْبِ، وأنَّ ذلكَ مَعَ الجَلادَةِ والقُوَّةِ يُشْعِرُ بِالغِنَى وكَثْرَةِ المالِ فِي المُسْلِمِينَ، وكَثْرَةُ المالِ مُرْهِبٌ للعَدُوِّ أَيْضا، كما وَرَدَ أنَّ الصحابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ قالُوا لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْه: إِنا إذا لِقِينا الرومَ ورَأَيْناهُمْ يَلْبَسُونَ أَقْبِيَةَ الحَرِيرِ وجَدْنا لِذلكَ رَوْعَةً فِي نُفُوسِنا، فَقال: الْبَسُوهُ أنْتُمْ كَما يَلْبَسُونَهُ هُم!.

ومِنها: مِشْيَةُ الخُيَلاءِ؛ ذكََرَهُ ابنُ بَطالٍ أيضًا؛ قَالَ: لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِرْهَابِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ.

ومِنْها: تَعْلِيلُ القَوْلِ بِعَدَمِ الإسْهامِ للراحِلَةِ مِن الإِبِلِ ذَكَرًا كانَ أوْ أنْثَى؛ ولا للبَغْلِ؛ ولا للحِمارِ؛ بِعَدَمِ الإرْهابِ؛ لأنها لا تَصْلُحُ للكَرِّ والفَرّ، كذا فِي حاشِيَةِ رَدِّ المُحْتار (4/ 326) ، وفِيهِ أيْضًا أنّهُ يُسْهَمُ للخَيْلِ الكَبِيرِ المَرِيضِ إنْ صَحَّ قَبْلَ القِسْمَةِ؛ لا للمُهْرِ؛ لِحَصُولِ الإرْهابِ بالأَوَّلِ دُونَ الثانِي، (4/ 324) .

ومِنْها: مَن قالَ بالإسْهامِ للبَراذِينِ (وهِي الخُيُولُ الأَعْجَمِيَّةُ الكِبار) عَلَّلَ ذلكَ بِأَنَّ حُصُولَ الإِرْهابِ بِها هُوَ السَّبَبُ، وذلكَ حاصِلٌ باسمِ الخَيْلِ؛ وهُوَ يَتناوَلُها؛ كما يَتَناوَلُ الهَجِينَ والمُقْرِفَ. كذا فِي تَبْيِينِ الحَقائق، وفِي العِنايَةِ مِن كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ: لأَنَّ الإِرْهَابَ مُضَافٌ إلَى جِنْسِ الْخَيْلِ. انتهى.

ومِنْها: أنَّ الرِّدْءَ يُشارِكُ المُباشِرَ فِي الغَنِيمَةِ، قالَ فِي تَبْيِينِ الحَقائقِ: لِحُصُولِ الإرْهابِ بالكُلِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت