الصفحة 61 من 85

ومِنْها: قَوْلُ الحَنَفِيَّةِ فِيمَنْ جَاوَزَ الدَّرْبَ (أيْ: حُدُودَ دارِ الحَرْب) فَارِسًا فَهَلَكَ فَرَسُهُ؛ فَشَهِدَ الْوَقْعَةَ رَاجِلاَ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ، خِلاَفًا للأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ الذِينَ اعْتَبَرُوا كَوْنَهُ فَارِسًا؛ أَوْ رَاجِلًا حَالَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وعَلّلَ الحَنَفِيةُ ما ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الْمُجَاوَزَةَ أَقْوَى الْجِهَادِ؛ لأَنَّ الإِرْهَابَ بِهَا يَلْحَقُ العَدُوَّ. كذا فِي مَجْمَعِ الأَنْهُر من كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ.

ومِنْها: أنَّ المُجاهِدَ يَسْتَحِقُّ مِن مالِ الزَّكاةِ ولَوْ كانَ غَنِيًّا مُقِيمًا فِي بَلَدِهِ، قَالَ الخَرَشِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيل: لأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الإِرْهَابُ، وقالَ فِي مَوْضِعٍ آخَر: وَبِدَفْعِ الزَّكَاةِ لَهُ يَتَقَوِّي بَاسُهُ فَيَحْصُلُ لِلْعَدُوِّ إرْهَابٌ. انتهى.

ومِنْها: ما لَوْ أوْصَىَ قَبْلَ المَوْتِ بِطُبُولِ الحَرْبِ؛ قالَ النَّوَوِيُّ فِي المَجْمَوعِ: كَقَوْلِهِ: أَعْطُوهُ طَبْلًا للجِهَادِ أَوِ الإِرْهَابِ (يَعْنِي: إخافَةَ العَدُوّ) فَلاَ يُعْطَى إِلاَّ طَبْلَ الْحَرْبِ. انتَهى، ونَحْوُهُ فِي الحاوِي للماورْدِي (8/ 636) .

ومِنْها: الفَرَسُ المَغْصُوبُ إِذَا حَضَرَ بِهِ الْحَرْبَ اسْتَحَقَّ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ؛ وفِي المَجْمَوعِ للنَّوَوِيِّ: لأَنَّهُ حَصَلَ بِهِ الإِرْهَابُ. انتهى، قالَ فِي الحاوِي: وَلَيْسَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً وَإِنْ كَانَ الْغَصْبُ مَعْصِيَةً. انتهى. وَفِي مُسْتَحِقِّهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِصَاحِبِ الفَرَسِ.

ومِنْها: الصُّفُوفُ عِنْدَ القِتالِ وتَرْتِيبُها وتَعْبِئَتُها؛ وتَقْدِيمُ الشُّجْعانِ الأكْفاءِ عَلَيها، قالَ ابنُ قُدامَةَ: لأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ للْحَرْبِ وَأَبْلَغُ فِي إِرْهَابِ العَدُوّ.

ومِنْها: أنَّ الفارِسَ يَسْتَحِقُّ الزِّيادَةَ بالإرْهابِ لا بِالقَتْلِ، ذكَرَهُ فِي تَبْيِينِ الحَقائقِ مِن كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ؛ وقال: فُعِلَمَ أنَّ الإرْهابَ والإرْعابَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن الْقَتْلِ؛ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ؛ وَبِقَوْلِهِ {وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ} ؛ وَبِهِ تَنْكَسِرُ هِمَّتُهُمْ وَيَنْكَسِرُونَ؛ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ أَوْلَى بِالاعْتِبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ عِنْدَهَا وَهُوَ الشَّرْطُ.

واستَعْمَلَ ابنُ تَيْمِيةَ رَحِمَهُ اللهُ هَذا اللفْظَ فِي مَعْنَى الإخافَةِ ظُلْمًا؛ فَقَالَ: وَأَمَّا اسْتِحْلاَلُ الْقَتْلِ بِاسْمِ الإِرْهَابِ الَّذِي يُسَمِّيهِ وُلاةُ الظُّلْمِ سِيَاسَةً وَهَيْبَةً وَأُبَّهَةَ الْمُلْكِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَظَاهِرٌ أَيْضًا ... . انْتَهَى.

فَهَذِهِ المَواطِنُ التِي اسْتَعْمَلَ فِيها الأَئِمَّةُ هَذا اللفْظَ هِي مِمّا شَرَعَهُ اللهُ تَعالَى، أمّا بالمَعْنَى الذِي ذَمَّهُ الشرْعُ فَذَلكَ أَلْيَقُ بِمَنْ يَتَّهِمُ بِهِ الإسْلامَ مِن الأُمَمِ الكافِرَةِ التِي لا تَعْرِفُ حَقًّا لأَحَدٍ إلاّ بِشَرِيعَةِ وحُوشِ الغابِ التِي تَتَسلطُ علَى الخَلْقِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلا هِيَ تَلْتَزِمُ بِدِينٍ ولا تَعْتَرِفُ بِخُلُقٍ!.

ثُمَّ إنَّ بَعْضَ مَنْ كَتَبَ حَولَ البابِ مِن المُعاصِرِينَ!؛ أَرادَ أَنْ يَتَمَحَّلَ للقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالَى فِي آيَةِ الأنْفالِ: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} إِنَّما هُوَ لإخافَةِ العَدُوِّ مِن الطَّمَعِ فِي دارِ الإسْلامِ؛ وزَعَمَ أنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلَى هَذا، وقَوْلُهُ هَذَا رُبَّما أَوْهَمَ مَن لاَ عِلْمَ عِنْدَهُ أنَّ الإِعْدادَ لإرْهابِ العَدُوِّ فِي عُقْرِ دارِهِ تَمْهِيدًا لغَزْوِهِ وإِخْضاعِهِ لِشَرِيعَةِ الإِسلامِ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي الآيَةِ الكَرِيمَة، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإنَّ إِرْهابَ العَدُوِّ وإنْ كانَ يُقْصَدُ بِهِ مَنْعُهُ مِن الإغَارَةِ علَى دارِ الإسْلامِ كما ذكَرُوه، إلاَّ أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ مَا ذَكَرْناهُ أَيْضًا، وإِلاَّ فَماذا كانَتْ مَغازِي النَّبِيِّ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْهِ وسَراياهُ؟!، وماذَا كانَتْ فُتُوحُ أصْحابِهِ مِن بَعْدِهِ؛ وغَزْوُهُمْ بِلادَ الفُرْسِ والرومِ والهِنْدِ ومِصْرَ وغَيْرِها؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت