بَلْ وفِي سِيَاقِ الآياتِ ما يَنْقُضُ ما ذَكَرُوهُ؛ فَإنَّهُ لَما بَيَّنَ مَا يُرْهَبُ بِهِ العَدَوُّ مِنَ القُوَّةِ وَالاسْتِظْهَارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أَنَّهُمْ عِنْدَ الإِرْهَابِ - إِذَا جَنَحُوا؛ أَيْ: مَالُوا إِلَى الصُّلْحِ - فَالْحُكْمُ قُبُولُ الصُّلْحِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ المُشْرِكُونَ؛ وعَلَيهِ فَقَدْ نُسِخَتْ بِآيَةِ السيْفِ، فَلا يُقْبَلُ مَنْهُمْ إِلاَّ الإسْلامُ أو القِتال، وقِيلَ: المرادُ: أهْلُ الكِتاب، نَزَلَتْ فِي حَرْبِهِمْ إِذَا بَذَلُوا الجِزْيَةَ وقَامُوا بِشَرْطِ الذِّمَّةِ، هَذا مَجْموعُ ما ذكَرَهُ الفَخْرُ الرازِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ، فباللهِ عَلَيكَ؛ أَفَتَرَى العَدُّوَّ مَتَى عَلَمَ أنَّ المُسْلِمِينَ لا يَقْصِدُونَهُ؛ وإِنَّما يُعِدُّونَ العُدَّةَ لِتَخْوِيفِهِ من العُدْوانِ عَلَى دِيارِهِمْ فَحَسْبُ!؛ أَفَتَراهُ يَطْلُبُ صُلْحًا أَوْ يُبادِرُ إِلَيْهِ؟!، وقَدْ أحْسَنَ الأَلُوسِيُّ إذْ قال: أَيْ أَعِدُّوا لِقِتَالِ الذِينَ نُبِذَ إِلَيهِمُ العَهْدُ وَهِّيئُوا لِحِرَابِهِمْ؛ كَمَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ، أَوْ لِقِتَالِ الكُفَّارِ عَلَى الإِطْلاَقِ؛ وَهُوَ الأَوْلَى كَمَا يَقْتَضِيهِ مَا بَعْدَهُ. انْتَهى، وذكَرَهُ البَيْضاوِيُّ دَونَ الإشارَةِ إلَى الأولَى. انْتَهى.
ويَرُدُّهُ أَيْضًا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالَى: {عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} ؛ قَالَ ابنُ جَرِير: كُلُّ عَدُوٍّ للهِ وَللمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَهَمْ، وذَكَرَ هُو والبَغَوِيُّ وغَيْرُهُمْ عَن جَماعَةٍ من التابِعِينَ وغَيْرِهِم أنَّ مِنْهُمْ فارِسَ وقُرَيْظَةَ، وقِيلَ: الرومُ، وقِيلَ: اليَهُود، كما فِي زادِ المَسيرِ وفَتْحِ القَدِير، وذكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ المُرادَ عَدُوُّ اللهِ بالكُفْرِ وعَدُوُّكُمْ بالمُبايَنَةِ، أو أنَّ عَدُوَّ اللهِ عَدُّوٌّ لأَوْلِيائِهِ، وكُلُّ مَن لَمْ يَخْضَعْ لِسُلْطانِ الإٍسْلامِ بالدُّخُولِ فِيهِ؛ أو إعْطاءِ الجِزْيَةِ عَن يَدٍ وهُو صاغِرٌ فَهُو داخِلٌ فِي العُمُومِ المَذْكُورِ.
وقِي قَوْلِهِ تعَالَى: {مِن رِباطِ الخَيْلِ} ؛ دَلِيلٌ علَى أنَّ المُرادَ الغَزْوُ لاَ الدَّفْعُ فَحَسْبُ؛ لأّنَّها أكْثَرُ ما تَسْتَعْمَلُ فِيهِ، ولِذا قالَ البَغَوِيُّ: يَعْنِي: رَبْطَهَا وَاقْتِنَاءَهَا لِلغَزْوِ. انتهى.
ومِن الفَوائدِ فِي هَذا المَقامِ قَوْلُ السعْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي التَّفْسير: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} : وَهَذِهِ العِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا فِي ذَلكَ الزَّمَانِ؛ وَهِيَ إِرْهَابُ الأَعْدَاءِ، وَالحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، فَإِذَا كَانَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ أَكْثَرَ إِرْهَابًا مِنْهَا - كَالسَّيّارَاتِ البَرِّيَّةِ وَالهَوَائِيَّةِ الْمُعَدَّةِ للْقِتَالِ الّتِي تَكُونُ النِّكَايَةُ فِيهَا أَشَدَّ - كَانَتْ مَامُورًا بالاسْتِعْدَادِ بِهَا؛ وَالسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهَا، حَتّى إِنَّها إِذَا لَمْ تُوْجَدْ إِلاَّ بِتَعلُّمِ الصِّنَاعَةِ؛ وَجَبَ ذَلكَ، لأن ما لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. انْتَهى.
ويَرُدُّ هَذَا أَيْضًا أَنَّ سُورَةَ الأَنْفالِ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ، وكانتْ بَدْرٌ غَزْوَةً غَزاها رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ، وأَوَّلُ أمْرِهَا الخُرُوجَ للقاءِ عِيرِ أبِي سُفْيانَ.
وَكَذلكَ قَوْلُهُ تَعالَى بَعْدَهَا: {حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتالِ} ؛ والأَمْرُ عامٌّ والتَّعْرِيفُ فِي القِتالِ للعَهْدِ؛ وهُو قِتالُ أعْداءِ الدِّينِ، ثُمَّ لما كانَ الأَمْرُ عامّا فِي المُقاتَلِينَ (بِفَتْحِ التاءِ) ؛ وفِي المُؤْمِنِينَ قِلَّةٌ وفِي العَدُوِّ كَثْرَةٌ ناسَبَ أنْ يُبَيِّنَ الحُكْمَ فِي ذلكَ، وما يَحْتاجُونَهُ من الصَّبْرِ والثَّباتِ؛ وأنَّ القِلَّةَ مَعَ اليَقِينِ والإيمانِ باللهِ كَثِيرَةٌ؛ حَتَّى لاَ يَكُونَ ذلكَ مُقْعِدًا لَهُمْ عَنِ الغَزْو الذِي أُمِرُوا بهِ.
وأَيْضًا فَفِي السياقِ بَعْدَ التَّحْرِيضِ ذِكْرُ الأسْرَى والإثْخانِ فِي الأرْضِ، وأَخْذُ الأَسْرَى مِن شَانِ القَوِيِّ الغالِبِ، وكُلُّ ذلكَ إِنَّما يَقَعُ فِي الغَزْوِ أَصْلًا، وَالْمَعْنَى المَقْصُودُ مِن الإثْخانِ فِي الأَرْضِ - كما قالَ ابنُ عاشور - أَنَّّ النَّبِيَّ إِذَا قَاتَلَ فَقِتَالُهُ مُتَمَحِّضٌ لِغَايَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ نَصْرُ الدِّينِ وَدَفْعُ عَدَائِهِ، وَلَيْسَ قِتَالُهُ لِلْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ؛ فَإذَا كَانَ أتْبَاعُ الدِّينِ فِي قِلَّةٍ كانَ قَتْلُ الأَسْرَى تَقْلِيلًا لِعَدَدِ أَعْدَاءِ الدِّينِ؛ حَتَّى إِذَا انْتَشَرَ الدِّينُ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ صَلُحَ الفِدَاءُ لِنَفْعِ أَتْبَاعِهِ بِالْمَالِ. انْتَهى.