ما بَالُ القَوْمِ؛ أفَلاَ يَعْقِلُونَ!، وهَلاَّ اعْتَبَرُوا بِما يَرَوْنَهُ اليَوْمَ مِن حالِ الأُمَمِ المُسْتَضْعَفَةِ مَعَ ما يُسَمَّى بالدُّوَلِ العُظْمَى والكُبْرَى التِي ما فَتِئَتْ تَقُومُ علَى الطُّغْيانِ والجَبَرُوتِ والعُتُوِّ فِي الأَرْضِ؛ فَهَلْ رَأَوْا فِي هَذَهِ الدُّوَلِ مَنْ يَجْنَحُ إلَى مُصالَحَةِ أُمَّةِ مِن الأُمَمِ المغْلُوبَةِ عَلَى أمْرِها ولا حَوْلَ لَها ولا طَوْلَ ولا قُوةً، أَمْ أنَّ الواقِعَ هُوَ عَكْسُ هَذا، أنْ يَسْعَى الضَّعِيفُ إلَى اسْتِرْضاءِ القَوِيِّ ومُصانَعَتِهِ؛ وأنْ يَجْنَحَ إلَى مُسالَمَتِهِ، لا لأَنَّهُ يَرَى القَوِيَّ يَلْزَمُ حُدُودَهُ ولا يَتَجاوَزُها!؛ ولأَنَّهُ يُعِدُّ العُدَّةَ لَيَمْنَعَ الآخَرِينَ مِن العُدْوانِ علَيْهِ فَحَسْبُ!؛ بَلْ لأَنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ تِلكَ الأُمَمَ تَغْزُوا مَن شاءَتْ وَمَتَى شاءَتْ، كَما يَرَى ذلكَ كُلُّ ذِي عِيْنَيْنِ، فَلْيَفْتَرِضُوا أُمَّةَ الإسْلامِ فِي مَكانَةِ تِلْكَ الدُّولِ إِذَنْ، وذلكَ هُوَ المَطْلُوبُ مِنْها؛ مَعَ مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ إيْصالِ الهُدَى والخَيْرِ للناسِ، وإقامَةِ شَرْعِ اللهِ فِيهِمْ سُبْحانَهُ.
قالَ ابنُ عَطِيَّةَ فِي المُحَرَّرِ الوَجِيزِ: وَالأَوْلَى أَنْ يُتَأَوَّلَ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا ظَهَرُوا وَعَزُّوا هَابَهُمْ مَنْ جَاوَرَهَمْ مِنَ العَدُوِّ الْمُحَارِبِ لَهُمْ، فَإِذَا اتَّصَلَتْ حَالُهُمْ تِلْكَ بِمَنْ بَعُدَ مِنَ الكُفَّارِ دَاخَلَتْهُ الْهَيْبَةُ؛ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ المسْلِمُونَ إِرْهَابَهُمْ؛ فَأُولِئِكَ هُمُ الآخَرُونَ. انْتَهى، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تعالَى: {وآخَرِينَ مِن دُونِهِم} .
وقَائِلُ هَذا؛ إِمّا أَنَّهُ غَفِلَ عَمَّا ذَكَرْناهُ، وإِمّا أَنَّهُ أَرادَ التَّخْفِيفَ مِن وَطَأَةِ التُّهَمَةِ التِي تَجْعَلُ الإٍسْلامَ رَدِيفًا للإرْهابِ؛ فَزَعَمَ ما زَعَمَ، وأَساءَ للإسْلامِ مِنْ حَيْثُ أَرادَ أنْ يُحْسِنَ!، كَما أَنَّهُ جِهِلَ أو تَجاهَلَ رِسالَةَ الجِهادِ فِي الإسْلامِ والغَايَةَ مِنْها، وأَنَّها إخْضاعُ الخَلِيقَةِ للهِ رَبِّ العالِمِينَ، لا بِمَعْنَى الإكْراهِ عَلَى الدِّينِ فإنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ ما نَراهُ اليَوْمَ مِن إِخْضاعِ الدُّوَلِ للأَحْزابِ المُعارِضَةِ لَها ولِقَوانِينِها؛ وإنْ كانَتْ تِلْكَ الأَحْزابُ مُخالِفَةً لِسِياسَةِ الدَّوْلِةِ أو لِشَيءٍ مِنها.
ولَوْ أَنَّ أَصْحابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ فَهِمُوا مِن رِسَالَةِ الجِهادِ فِي الإسْلامِ - ومَن لَوازِمها الإعْدادُ الذِي يُرْهِبُونَ بِهِ العَدُوَّ - ما يُوهِمُهُ هَؤلاءِ لَما فَتَحُوا شَامًا ولا عِراقًا ولا مِصْرًا!؛ ولاكَتْفَوا بالقُعُودِ فِي دِيارِهِمْ واسْتِعْراضِ ما جَمَعُوهُ مِن العُدَّةِ والعَتادِ فِي الثُّغُورِ لإخافَةِ الأعْداءِ مِن العُدْوانِ علَيْها, كما ادَّعاهُ بَعْضُهُم.
ثُمَّ أَيْنَ قَولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلمَ: {أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاَّ الله} ؛ وقَوْلُهُ: {بُعْثْتُ بالسَّيْفِ بَيْنَ يَدِيِ الساعِة} ؛ وقَولُهُ: {جِئْتُكُمْ بالذَّبْحِ} ؛ وقَوْلُهُ: {مَنْ ماتَ ولَمْ يَغُزُوا ولَمْ يُحِدِّثْ نَفْسَهُ بالغَزْوِ ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِن النِّفاقِ} ؛ وقَوْلُهُ: {لاَ يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ الساعَةُ} ، وَقَوْلِهُ: {يَظْهَرُ هَذَا الدِّينُ حَتَّى يُجَاوِزَ البِحَارَ؛ وَحتَّى تُخَاضَ بِالخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ} ؛ وقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سلَمَةَ بنِ نُفَيْلٍ: {يَا رَسُولَ اللهِ أَذَالَ النّاسُ الخَيْلَ؛ وَوَضَعُوا السِّلاَحَ؛ وَقَالُوا: لاَ جِهَادَ؛ قَدْ وَضَعَتِ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا - يَعْنِي: أنَّ الناسَ قَدْ أَمِنُوا عَدُوَّهُمْ فَلا حاجَةَ إلَى الغَزْو- فَأقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ وَقَالَ: كَذَبُوا الآنَ!؛ الآنَ جَاءَ القتالُ! ... الحدِيثَ} ، وإِنَّما أَرادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ بِذلكَ ما يَكُونُ مَن الفُتُوحِ مِن بَعْدِهِ، فَأَنْكَرَ عَلَى مَن أَهانَ الخَيْلَ وأَهْمَلَ شَانَها، لأَنَّهُ مِنْ أعْظَمِ أسْبابِ القُوَّةِ التِي يُرْهَبُ بِها عَدُوُّ الإسْلامِ، فالواجِبُ صِيانَتُها وإِكْرامُها والإكْثارُ مِنْها، والعِنايَةُ بِها وبِتَدْرِيبِ الفُرْسانِ عَلَيْها، لِما تُكْسِبُهُ مِن القُوَّةِ والشجاعَةِ؛ ولأَنَّها تُعِينُ علَى الكَرِّ والفَرِّ الذَيْنِ يُحْتاجُ إلَيْهِما فِي الغَزْوِ وَالقِتالِ.