وفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ: (كَذَبُوا؛ الآنَ؛ الآنَ جاءَ القِتالُ) رَدٌّ واضِحٌ جَلِيٌّ عَلَى مَن قَصَرَ المُرادَ بإرْهابِ العَدُوِّ فِي الآيَةِ عَلَى مَنْعِهِ مِن العُدْوانِ عَلَى دارِ الإسْلامِ، بَلْ لَو قالَ قائِلٌ إنَّ الأَصْلَ فِي الجِهادِ هُوَ الغَزْوُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ فِي الحَدِيثِ: {الآنَ جاءَ الجِهادُ!} لكانَ مُصِيبًا؛ والأَدِلَّةُ علَى هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ: ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ!، وَذَكَرَ المُحِقُّقِونَ مِن العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الخاصِّيَّةَ لَهُ ولأُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، وفِي التارِيخِ الإسْلامِيِّ كَثِيرٌ مِن الحَوادِثِ التِي تَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا، وفِي هَذَا مَن الحِكَمِ البالِغَةِ أَنَّ العَدُوَّ إِذا أوْقَعَ اللهُ تعالَى فِي قَلْبِهِ الرُّعْبَ بِمَسِيرَةِ المُسْلِمِينَ إلَيْهِ وقَصْدِهِ فِي دِيارِهِ كانَ ذلكَ مِن أَسْبابِ ضَعْفِهِ واضْطِرابِهِ، فاضْطرّهُ هَذا إلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ الإسْلامِ مَتَى عَرَفَ مَحاسِنَهِ؛ وكانَ لَهُ ما لِلْمُسْلِمِينَ وعلَيْهِ ما علَيْهم، أو الخُضُوعِ لسُلْطانِهِ وأحْكامِهِ بِأَداءِ الجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ، ومَن امْتَنَعَ عَن ذلكَ مِنْهُمْ وأبَى إِلاَّ الحَرْبَ مَعَ هَذا كانَ ذلكَ دَلِيلًا علَى ما يُضْمِرُهُ مِن الصَّدِّ عَن دِينِ الإسْلامِ والعُدْوانِ علَيْهِ، لأَنَّهُ بِذلكَ يَحُولُ بَينَ الناسِ ورِسالَةِ الإسْلامِ، ثُمَّ إنَّهُ مَتَى قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ واسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ لَمْ يَأَمَنِ المُسْلِمُونَ فِي دارِ الإسْلامِ عُدْوانَهُ وخَطَرَهُ، كَما يَعْرِفُهُ مَن نَظَرَ فِي أَحْوالِ الأُمَمِ والشُّعُوبِ وقَرَأَ تَوَارِيخَهَا.
ولَيْسَ ما آلَ إلَيْهِ حالُ المُسْلِمِينَ مِن الرُّجُوعِ عَن المَقامِ الذِي اخْتَصَّهُمُ اللهُ تَعالَى بِهِ مِن بَيْنِ الأُمَمِ مُبِيحًا للسُّكُوتِ عَن بَيَانِ ما أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ للناسِ، ومِن ذلكَ الجِهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ومِنْهُ جِهادُ الطَّلَبِ؛ وما يَلْزَمُ فِيهِ مِن أسْبابِ القُوَّةِ التِي تَاخُذُ علَى أَيْدِي الأُمَمِ الخارِجَةِ عَن شَرائِعِهِ أَخْذَ السلْطانِ العادِلِ علَى أَيْدِي الجُناةِ والعُصاةِ، وفِي ذلكَ مَصْلَحَةٌ للجانِي وللأُمَّةِ مَعًا، وكَمْ كانَ أَخْذُ سَلاطِينِ العَدْلِ عَلَى أَيْدِي الجُناةِ رَحْمَةً بَكَثِيرٍ مِنْهُم، وكَفّا لَهُمْ عَما يُلْحِقُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ وبِالجَماعَةِ مِن الضَّرَرِ، وهَذَهِ هِيَ غايَةُ الجِهادِ فِي الإسْلامِ كَما بَيَّنَّا ذلكَ مُفَصَّلًا فِي الرسالَةِ الرابِعَةِ من رَسائلِ الثُّغُورِ: فَلْسَفَةِ الجِهادِ فِي الإسْلام.
ولَعَمْرُ اللهِ إنَّ الجِهادَ - ومَنْهُ غَزْوُ الكُفارِ فِي عُقْرِ دِيارِهِمْ - لَمِنْ مَحاسِنِ الإِسلامِ، ومَن ادَّعَى غَيْرَ ذلكَ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلَى الشَّرْعِ والدِّينَ، والناسُ مِن طَبْعِها حُبُّ القَوِيِّ وتَعْظِيمُهُ، فَكَيْفَ إذا كانَ القَوِيُّ قائِما بالعَدْلِ الذِي أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ؛ ولَيْسَ الإسْلامُ إلاَّ ذلكَ، فَهَذا الذِي يَاوِي إلَى كَنَفِهِ المُسْتَضْعَفُونَ، ويَنْتِفِعُ بِسُلْطانِهِ الخَلْقُ أجْمَعُونَ، وتَأمَّلْ قَولَ اللهِ تعالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًَا} ؛ كَيْفَ جَعَلَ الفَتْحَ الذِي مِن أسْبابِهِ الإعْدادُ والقُوَّةُ والجِهادُ سَبَبًا لإقْبالِ الناسِ علَى دِينِ الإِسْلامِ، وهَكَذا وَقَعَ بَعْدِ فَتْحِ مَكَّةَ المُبِينِ!؛ دَخَلَ أهْلُ مَكَةَ وزُعَماءُ قُرَيْشٍ فِي دِينِ الإٍسْلامِ أُمَما، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثِ القَبائِلُ أنْ تَبِعَتْها فِي عامِ الوُفُودِ وهوَ العامُ التاسِعُ من الهِجْرَةِ، فَلَمَّا كانَ العامُ الذِي تُوُفِّيَ فِيه رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ كانَتْ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ كُلُّها قَدْ خَضَعَتْ لِدِينِ الإسلامِ، وأَوْصَى النَبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ بإخْراجِ اليَهُودِ والنَّصارَى مِنْها، وأنْ لا يَبْقَى فِيها دِينانِ، لأَنَّها قاعِدَةُ مُلْكِ الإِسلامِ، ويُحْتاطُ فِي الأَصْلِ ما لا يُحْتاطُ فِي الفَرْعِ، ولأَنَّ فِيها مَكَّةَ وبَيْتَ اللهِ الحَرامِ؛ ولأنَّ فِيها دارَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ علَى صاحِبها صَلَواتُ اللهُ وسلامُهُ، وهُما من الأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ القَلْبِ مِن الجَسدِ لا حَياةَ لَها بِدُونِهِما، فَأمَرَ أنْ يُخْرَجَ مِنْهُما ومِنْ حَولِهِما كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يُضارَّهُما مِن الكُفارِ والمُشْرِكِينَ، واسْتَتوجَبَ ذلكَ إخْراجَهُمْ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ كافَّةً؛ لأنَّ مَنْ حامَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ كَما قالَ لِي شَيْخُنا أَبُو مُحَمَّدٍ الراشِدِيُّ السِّنْدِيُ فِي دارِهِ لَما رَحَلْتُ إلَيْهِ هُناكَ رَحِمَهُ اللهُ، وعَمِلَ بِالوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عًَنْه، وحَمَلَ أَصْحابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ لِواءَ الجِهادِ مِن بَعْدِهِ، فَأتَمَّ