الصفحة 65 من 85

اللهُ بِشارَتَهُ لِنَبِيِّهِ، وخَضَعَ لِدِينِ الإِسلامِ أُمَمُ الفُرْسِ والرُّومِ فِي نَحْوِ أَرْبَعِ سِنِينَ بَعْدَ وَفاتِهِ!، ودَخَلَ مَن شاءَ اللهُ تَعالَى مِنْهُمْ فِي دِينِ الإِسلامِ، ولا يَزَالُ أَهْلُ تِلْكَ البِلادِ علَى دِينِ الإِسلامِ إلَى يَوْمِنا هَذا؛ وللهِ الحَمْدُ سُبْحانَه.

فَتَأَمَّلْ وقارِنْ بَيْنَ مَن دَخَلَ دِينَ الإِسْلامِ مِن أَوَّلِ البِعْثَةِ إلَى فَتْحِ مَكَّةَ؛ وهِي نَحْوُ واحِدٍ وعِشرِينَ عامًا، وبَيْنَ مَنْ دَخَلَهُ مِن الفَتْحِ إلَى نَحْوِ سَبْعِ سِنِينَ بَعْدَها؛ وفِيها فَتْحُ بِلادِ الفرْسِ والرومِ!؛ يَظْهَرْ لَكَ بالبُرْهانِ العَمَلِيِّ صِحَّةُ مَا ذَكَرْناهُ وقَرَّرْناه.

لكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعلَمَ أنّ الواجِبَ علَى العُلَمَاءِ وَطُلاَّبِ العِلْمِ وَالدُّعَاةِ إِلَى اللهِ تَجَنُّبُ هَذِهِ الأَلْفَاظِ وَنَبْذُهَا، وَتَحْذِيرُ النَّاسِ مْنْهَا, وَتَنْفِيرُهُمْ عَن سَمَاعِهَا, وكَيْفَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يُجارِيَ أَعْداءَ الدِّينِ فِي اسْتِعْمالِها وهُمْ يَسْتَخْدِمُونَها فِي العُدْوانِ عَلَى النَّبِيِّ مُحُمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ؛ ويُصَوِّرُونَهُ للناسِ ظالِمًا سَفَّاكًا للدِّماءِ؛ لا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ بالخَلْقِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو إلَى ذلكَ ويُحَرِّضُ علَيهِ!؛ {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} .

وكَمْ مِنَ الأَلْفاظِ التِي يُرادُ التَّرْوِيجُ لَها بَيْنَ المُسْلِمِينَ وهِي وَسِيلَةٌ لإشاعَةِ الكُفْرِ باللهِ تعالَى والعُدْوانِ علَى دِينِ الإسلامِ والمُحادَّةِ للهِ ورَسُولِهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْهِ؛ كَهَذِهِ الألْفاظِ المُشارِ إلَيْها، فَإِنَّ مَن اعْتَقَدَ صِحَّةَ ما يَنْسِبُهُ هَؤلاءِ الكُفارُ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ مِن المَعانِي التِي يُرِيدُونَها كَفَرَ بِدِينِ الإسْلامِ، وقَدْ أخْبَرْناكَ أنَّ الألْفاظَ المَذكُورَةَ وسِيلَةٌ إلَى تَرْوِيجِ هَذهِ المَعانِي بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ فَحَرُمَ اسْتِعْمالُها مِن هَذا الوَجْهِ أَيْضًا، كَما أَنّ الواجِبَ أنْ تُسْتَبْدَلَ بِالأَلْفَاظِ وَالأَسْمَاءِ التِي سَمّاها اللهُ تَعالَى بِها ونبيُّه - صلى الله عليه وسلم - , وَأَنَّ عَلَى العُلَماءِ إشاعتَها وَنَشْرَهَا حَتَّى تَالَفَهَا القُلُوبُ وتُرَوَّضَ عَلَيهَا الأَلْسِنَةُ.

ثُمَّ إِنَّ أُمَمَ الغَرْبِ وإن اتَّفَقَتْ علَى جَعْلِ لَفْظِ الإرْهابِ رَدِيفًا للإسْلامِ، لكِنَّها لا تَزالُ ولَنْ تَزالَ مُخْتَلِفَةً فِي تَعْرِيفِ هَذا اللفظِ وتَحْدِيدِ مَعْناهُ، فَتَعَيَّنَ مَعَ هَذا كُلِّهِ العُدُولُ إلَى ألْفاظِ الشارِعِ وفِيها غُنْيَةٌ وكِفَايَةٌ وللهِ الحَمْد، كَما أنَّ فِيها التَّطابُقَ بَيْنَ اللفْظِ والمَعْنَى فِي جَلاءٍ لا لَبْسَ فِيهِ ولا غُمُوض، وأَيْنَ هَذا اللفْظُ مِنْ ألْفاظِ الجِهادِ؛ والقِتالِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ ودَفْعِ الصائلِ؛ وأحكامِ البُغاةِ؛ وأحْكامِ الحَرابَةِ؛ وأحْكامِ الخَوارِجِ؛ وأَحْكامِ المُرْتَدِّينَ، وغَيْرِ ذلكَ مِما لا نِزاعَ فِي مَدْلُولِهِ بَيْنَ الأئِمَّةِ رَحْمَهُمُ الله، ومِن وَراءِ هَذا كُلِّهِ فَفِي اسْتِعْمالِ ألْفاظِ الشرْعِ عِصْمَةٌ مِنَ الوُقُوعِ فِي التَّبَعِيَّةِ للأُمَمِ الكافِرِةِ، وحِفاظٌ علَى واحِدٍ مِن أَهَمِّ عَوامِلِ الثَّباتِ والبَقاءِ.

واعْلَمْ أنّ تبديلَ الأَسْماءِ لاَ يُغَيِّرُ الحقَائِقَ ولاَ يُبَدِّلُها ولاَ يُصَيرِّ الحلالَ حَرَامًا ولاَ الحَرَامَ حَلاَلًا؛ ولاَ الحقَّ بَاطِلًا ولاَ الباطِلَ حَقًّا, بَلِ الأَحْكَامُ مَنُوطَةٌ بِالحَقَائِقِ مُعَلَّقَةٌ بِها فَمَا سَمَّاهُ اللهُ تَعَالَى جِهَاداَ وَقِتالًا للأَعْداءِ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ، وَالذَّبُ عَنِ الدِّينِ وَالعِرْضِ وَالحَرِيمِ؛ فُهُوَ الْجِهَادُ, وَإنْ سَمَّاهُ غَيرَ ذَلكَ مَنْ سَمَّاهُ وَباللهِ التَّوْفِيقُ.

وصلى الله على محمد وعلى أله وصحبه وسلم.

كانَ الله له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت