الصفحة 24 من 56

والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يُعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول، كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفرٌ أيضًا، وقد ذكرتُ دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له"انتهى من (مجموع الفتاوى) ."

ومن أمثلة أفعال الخوارج التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين، قتالهم في الدين -أي قتال الخوارج للمسلمين في الدين- فمن يقاتل المسلمين عداءً لهم في دينهم لا شك في كون عمله هذا كفرًا، لكن الخوارج يُعذرون لتأولهم حيث أنهم يعادون المسلمين في الدين وهذا كفر نظرًا لاعتبارهم إياهم مرتدين، وهذا عند التأمل واضح في جماعة الدولة، حيث كفروا جبهة النصرة وغيرها وعادوها في الدين لاعتبارهم إياها مرتدة، وننبه في سياق حديثنا عن طوائف البدعة وفرقها إلى خطأ يقع فيه كثير من إخواننا بإطلاقهم التكفير عقب إقامة الحجة، وعلى هؤلاء الإخوة أن يعلموا أن المسائل في دين الله ليست على درجة واحدة فهناك من المسائل ما يكفر صاحبها ولا يحتاج أصلًا لإقامة الحجة كسبِّ الله والسجود للأصنام ونحو ذلك.

وهناك من المسائل ما يكفر صاحبها بعد إقامة الحجة عليه كحالة قدامة بن مضعون الصحابي البدري حيث شرب الخمر متأولًا قول الله -تعالى-: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... إلى آخر الآية} فاستحل شرب الخمر هو وصحبه متأولًا هذه الآية، أي أنه رأى هذه الآية تدل على حِلِّية شرب الخمر بشرط التقوى والإيمان والعمل والصالح، فبعث إليه عمر -رضي الله عنه- من يقيم عليه الحجة، أي يكشف له شبهته ويبين له أن احتجاجه بالآية خاطئ.

قال شيخ الإسلام:"وتشاور الصحابة فيهم -أي في قدامة وصحبه- فاتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة -رضي الله عنهم- على أنهم إن أقروا بالتحريم جُلدوا وإن أصروا على الاستحلال قُتلوا"انتهى من (مجموع الفتاوى) .

وهناك من المسائل لا يكفر صاحبها حتى بعد إقامة الحجة وكشف الشبهة وهي المسائل التي يسميها العلماء بـ"المسائل الخفية"بحيث تكون شبهتها فيها نوعُ قوة في الدلالة، ومن هذا النوع بدع القدرية والجبرية ونفاة الصفاة ومأولة الصفاة ونحوهم، كما ننبه أيضًا إلى أن البدع على درجات وأن البدع التي تخالف أصول أهل السنة قسمان:-

-القسم الأول: بدع غير مكفرة، كقول مرجئة الفقهاء أن الإيمان هو الإقرار والتصديق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت