ومسألة الخلاف في تكفير أعيان الطائفة الممتنعة الكافرة هي مسألة فقهية اجتهادية ولا بد من النظر فيها إلى الواقع والأحوال واختلافها، ومن حكم على طائفةٍ ما بكفر أعيانها لا يوصف بالغلو، كما أن من لم يرَ كفر الأعيان مكتفيًا بالحكم على الطائفة لا يوصف بالإرجاء، ما دام مستنَد الطرفين هو النظر في الأدلة والواقع، والله الموفق.
فصل مهم في أنه لا تلازم بين أحكام القتال وأحكام التكفير
أو بتعبير آخر (أحكام القتال أوسع من أحكام التكفير) ، وإنما أوردت هذا الفصل هنا؛ لتعلقه ببحث الطائفة من جهة أن أكثر إخواننا لا يقاتل طائفةً ما حتى يكفرها، وهذا خطأ فاحش، كما أنه لا يقاتل طائفة يحكم عليها بالإسلام ولو قامت بعمل يوجب قتالها، وهذا خطأ فاحش أيضًا، وتراه يعترض على الجماعة إذا تأخرت في قتال مَن حكمه الردة أو الكفر من فرد أو طائفة وهذا خطأ ثالث أيضًا، ومرد هذه الأخطاء إلى أمر واحد وهو أن هناك تلازمٌ لا ينفك في أذهان كثير من إخواننا بين التكفير والقتال، وغاية هذا الفصل أن يبين للأخ المجاهد أنه لا تلازم.
وإليك نماذج من الفقه الإسلامي تحل لك هذا الإشكال -إن شاء الله- وتفك هذا التلازم -بعون الله-:
النموذج الأول: قتال البغاة.
البغاة: هم طائفة من المسلمين خرجوا عن الإمام بتأويل شرعي يسوغ من وجهة نظرهم، وقيل في تعريفهم غير هذا، والبغاة قد يكونون ظالمين آثمين، وقد يكونون متأولين مخطئين دون أن يأثموا، وهم مسلمون باتفاق العلماء، ودليل قتالهم وإسلامهم قول الله -تعالى-: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} والشاهد أن البغاة مسلمون ومع ذلك جاز قتالهم بنص القرآن الكريم.
النموذج الثاني: قطاع الطريق.
واسمهم الفقهي: المحاربون، وهم قوم لهم شوكة يرهبون الناس ويخيفونهم ويقطعون الطريق؛ بغية أخذ المال أو القتل أو العدوان على الأعراض أو كل ذلك، وربما اقتصروا على إخافة الطريق، وقطاع الطريق المسلمين ينطبق عليهم قول الله -تعالى- كما في المائدة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} وللعلماء أقول عديدة في توجيه هذه الآية، والمقصود أن قطاع الطريق يفعل بهم كل هذا من القتل والقتال والصلب وغيره رغم كونهم مسلمين.
النموذج الثالث: أهل الصيال.
والصائل: هو المعتدي بغير وجه حق.