الصفحة 47 من 56

علي للخوارج ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين، فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا كفارًا كالمرتدين عن أصل الإسلام، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره، وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين، بل هم نوع ثالث وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم"انتهى كلام شيخ الإسلام من (مجموع الفتاوى) "

كما بيّن شيخ الإسلام من أنه لا يوجد أحد من الصحابة ذهب مع الخوارج، وكذلك لم ينهَ عن قتالهم أحد من الصحابة، أي: لم يعتبره قتال فتنة كما هو الحال في الجمل وصفين، وفي هذا يقول شيخ الإسلام في المجموع:"وأما الخوارج فلم يكن فيهم أحد من الصحابة ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة"أ. هـ. والشاهد، أن الخوارج لا يكفرون على الراجح ومع ذلك قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم) وقاتلهم علي والصحابة ولم ينهَ أحد من الصحابة عن قتالهم، بل إن علي -رضي الله عنه- سجد لله شكرًا لما رأى ذا الثدية بين قتلاهم، فلا تلازم بين قتالهم أو قتلهم وبين تكفيرهم، فهم يقاتَلون ولو كانوا مسلمين بنص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

النموذج الخامس: -أي من النماذج التي تقاتَل رغم عدم الحكم بكفرها- ما ذكرناه سابقًا بشكل مفصل من قتال الطوائف الممتنعة، حيث قلنا أن حكم الطائفة الممتنعة يختلف بحسب ما امتنعت عنه، فيما لو امتنعت عن فرض من أصل الدين كالصلاة، أو امتنعت عن واجب أو امتنعت عن سنة، وقد قلنا أن هذا شيء يوجب الخلاف في الحكم عليها، لكنها تقاتَل جميعًا رغم أنها في حالة الامتناع عن الواجب وفي حالة الامتناع عن السنة لا تكون كافرة، وكذلك قلنا بأنه لو وُصفت الطائفة بأنها طائفة كفر فليس بالضرورة أن يكفر أعيانها -كما بينا بإسهاب-، فكل هذه الأصناف المتعددة من البغاة وقطّاع الطريق وأصناف الصائلين والخوارج والطوائف الممتنعة عن الواجب والممتنعة عن السنة تقاتَل وربما تقتَل ولا تكون كافرة بذلك.

فعلى إخواننا أن ينتبهوا لذلك ويقدروه قدره ويتعاملوا مع المسائل بحسب الأدلة وأقوال العلماء، لا بحسب العاطفة والتشهي فهذا من سبيل أهل الأهواء والبدع -نسأل الله العافية والسلامة-، وليس من سبيل مَن حمل سلاحه ليكون على ذروة سنام الإسلام جهادًا في سبيل الله، ونحسب أن إخواننا إنما وقعوا في ذلك جهلًا منهم بهذه الأحكام.

وأما مسألة لزوم مقاتلة من حكمنا عليه بالكفر من طائفة أو معين، فلا يلزم؛ إذْ ليس من الحكمة ولا من السياسة الشرعية ولا من هدي قدوتنا وأسوتنا -عليه الصلاة والسلام- أن يحارب كل الكفار في نفس الوقت هذا من جهة أولى.

ومن جهة أخرى فليس كل من حكمنا عليه بالردة يجب قتله فورًا وحالًا، إذْ يجوز في بعض الحالات استتابته والعفو عنه وعدم قتله، إن كان من وراء ذلك مصلحة شرعية تفوق قتله مما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت