فهرس الكتاب
2 ـ إن بعض ما اشتملت عليه المسيحية من التعاليم، في الحياة الاجتماعية والمدنية، إذا كان صالحا للقرون الستة الأولى للميلاد، فقد أصبح التقيد به عسيرا بعد عصر النهضة، فالزواج مثلا تعتبره المسيحية عقدة دائمة بين الزوجين مدى الحياة لا يمكن فسخها مهما كانت الأسباب. وهذا القانون لا يتطابق دائما مع حاجات الناس، ولا ينسجم مع طبيعة العلاقات الزوجية، وقد تخلصت منه بعض الشعوب المسيحية بتطبيق"النظام اللادينى"، بينما ظلت الدول الخاضعة للسلطة المسيحية كأسبانيا وفية له حتى الآن. ونتج عن ذلك انهيار خطير في بناء الأسرة، فعندما ينفصل الزوجان عمليا، ويصبح التفاهم مستحيلا بينهما، ثم يمنعان من الطلاق رغم إرادتهما المشتركة، يندفعان بطبيعة الحال إلى ربط علاقات أثيمة يبيحها العرف ويمنعها القانون.. ومن جهة أخرى نجد أن القيود الشديدة التى وضعتها الدول اللادينية نفسها ضد الطلاق لم تحم الأسرة من هذه الخطر، بل ربما لم تؤثر حتى في التقليل من نسبته. فالاتحاد السويسرى، الذى يعتبر مثلا في الازدهار والاستقرار السياسى، تفوق نسبة الطلاق فيه حد التصديق، وتتجاوز بكثير نظيرها لا في فرنسا وأمريكا بل في مصر الإسلامية. وبخلاف ذلك فإن الإسلام لم يجعل عقدة الزواج مستحيلة الحل ـ وإن كان يتمنى دوام العشرة ـ ولكنه أباح الطلاق بقيود معروفة. ورغم ما تتهم به هذه القيود من السهولة في التطبيق بالنسبة للقيود التى وضعها"النظام اللادينى"فإننا عند المقارنة بين نسبة الطلاق في مصر وفى فرنسا مثلا نجد أنها تكاد تكون متشابهة، مع العلم بأن مستوى الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر ـ وهو دون نظيره في فرنسا ـ من شأنه أن يبرر ارتفاع هذه النسبة فيها. 3 ـ إن المسيحية لم تكن في أصولها الحقيقية المنزلة تشتمل على أنظمة سياسية للدولة، ولا على قوانين مفصلة للحكم كما هو الحال في الإسلام، وإنما كانت دين محبة ورحمة وأخلاق. أما ما يوجد فيها