فهرس الكتاب
السادس والسابع عشر ورغم أن الملك"هنرى الرابع"بذل كل جهوده لوضع حد لهذه الحروب، وأصدر في أواخر القرن السادس عشر قرارا يرخص للبروتستنتيين بمزاولة شعائر دينهم، فإنه لم يحن عهد"لويس الرابع عشر"حتى عاد لعداوتهم وأصدر سنة 1685 قرارا ينقض قرار سلفه، فلم يسع البروتستانتيين إلا يهاجروا من فرنسا بأموالهم ومعاملهم. وأخذ العداء بينهما سبيله للظهور والانتشار في أوروبا من جديد. 149
ولعل هذه الحالة الأليمة التى عاشها المجتمع المسيحى في أوروبا، وعانى من عذابها الأمزين، كانت من أهم العوامل التى جعلت الرأى العام المسيحى بعد ذلك يدرك خطر استمرار سلطتين دينيتين متعارضتين. ودفعت قادة الفكر الأوربى لابتكار نظام"اللادينية"- وقد ظهر فعلا في القرن السادس عشر- كوسيلة للتخلص من حكم رجال الدين، ووضع حد للحروب والعداوات، التى أصبح من المستحيل استتباب سلام حقيقى ودائم معها، طالما كان على رأس الحكم ممثلو إحدى الطائفتين. والذى يعرف طبيعة الإسلام لايشك في أن هذه الحالة ليسى لها نظير في المجتمع الإسلامى. فليس في الإسلام مذاهب دينية تتعارض عقائدها ويتناحر رجالها بهذه الدرجة. والحروب الداخلية التى نشأت بين طوائف المسلمين كالتى جرت بين الإمام على ومعاوية. وما تلاها من ظهور الشيعة والخوارج وغيرهما، لم يكن مبعثها الخلاف في أصل من أصول الدين، ولكنها كانت حروبا سياسية أثارها التنارع علي الحكم، واستحقاق الخلافة وعززتها العصبيات القبلية التى اتخذت لتبرير مواقفها أشكالا دينية. ومن مجموع هذه الفروق، بين طبيعة كل من الديانتين، نشأ فرق آخر في المدلول اللغوى لكلمة الدين عند المسيحيين، يختلف عن نظيره عند المسلمين، وهذا الفرق الدقيق أشار إليه الأستاذ"علال الفاسى"فى بحثه القيم الذى نشرته أخيرا مجلة"دعوة الحق". عدد يونيه سنة 1958 بعنوان"التفكير الاجتماعى"حينما قال:"فإذا نحن أخذنا الكلمة التى نستعملها عادة"