الصفحة 141 من 159

الإسلام يجب أن يكون رجل دين ودنيا، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر لأن الإنسان يتكون من جسد وروح، والجسد جزء من الدنيا التى يجب أن يعترف بها ويخضع لقوانينها، والروح جزء من"عالم الغيب"الذى هو عالم الدين ولا يمكن أن تتنكر لمالك يوم الدين. 148

وما دامت الروح جزء لا يستغنى عنه الجسد فيجب التوفيق بين حاجتها، وإقرار الانسجام والتعاون بين سلطتيهما. وعلى هذا الأساس قامت فلسفة الدين الإسلامى، وظهرت الحكومة الإسلامية التى هى حكومة دين ودنيا. والتاريخ يشهد بالنجاح العظيم الذى لقيته هذه الحكومة، خصوصا في العصور الذهبية للإسلام. ولذلك فإن تخلى الحكومة الإسلامية عن سلطتها الدينية- مع العلم بأنه لا يوجد في المجتمع الإسلامى ونظامه من يمثل هذه السلطة، كما هو الحال في المسيحية- لا يعنى إلا شيئا واحدا هو إلغاء هذه السلطة بالمرة، لعدم وجود من يمثلها عمليا، وخصوصا في المغرب، الذى لاتوجد فيه لا"مشيخة الإسلام"، ولا"مفتى الديار المغربية"ولا"مشيخة القرويين"ولا حتى"شيخ جماعة"، وهو آخر لقب كان قبل عهد الحماية، وإنما تتمثل في حكومته الإسلامية، وفى عهد رئيس الدولة الأكبر جلالة الملك محمد الخامس أيده الله. على أن مثل هذه السلطة ليست مما يصنع باليد أو يخلق خلقا. ولقد حاولت تركيا أن تصنع إطارا"الرجال الدين الإسلامى"، لتقلد بهم القساوسة والرهبان المسيحيين فأخفقت! وكان هذا أبلد أنواع التقليد التى حاولتها تركيا تحت شعار اللادينية. 5- إن المسيحية تشتمل على مذهبين رئيسيين متعارضين أشد التعارض، وهما مذهب الكاثولكيين والبروتستانتيين، وقد بلغت العداوة بين الطائفتين حدا جعل تاريخ العلاقات بين ملوكهما وأمرائهما عبارة عن سلسلة من الحروب الدينية الطاحنة، إذ أن عقيدة كل منهما تدفعه- في تعصب جارف مع قساوة ووحشية- لاستئصال الطائفة الأخرى، والتقرب إلى الله بسفك دمائها. وبلغ هذا العداء قمته خلال القرنين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت