الصفحة 56 من 159

وكانت تريد زيارته. فقالت لرئيس مكتب الشرطة: أرجوك أرجوك أن تأذن بزيارتى إياه فأنت إنسان من البشر أيا ما كانت الحال... 060

ـ ليس من هنا ناس من البشر! يا... بل هنا رعاة الثورة. ليس هنا مكان لعاطفة، وما أدواتنا التى نقاتل بها أعداء الدولة سوى العذاب والموت. وخير لك أن تتبينى هذه الحقيقة عاجلا والشر في التسويف!! سآذن لك برؤية أبيك على أساس واحد وهو أنى أريد معونتك، اذهبى إلى السجن ففى طريقك إليه سأرسل أمرى بذلك، وفكرى في الأمر الذى أعرضه عليك، ودعى عنك هذه البلاهة الحمقاء. ساروا بى إلى عنبر حيث كان أبى وحده في غرفة نقلوه إليها استعدادا لزيارتى، كان راقدا على سرير من الحديد ساكنا سكون الموت، وقد طالت له لحية بيضاء في هذه الشهور التى افترقنا خلالها، لم يبق له من جسده إلا جلد وعظام. ورأيت على جبهته وعلى صدغيه الغائرين أشرطة قبيحة من الجلد كما رأيت أربطة على أصابعه وذراعيه.. دنوت من سريره فلم يكن لديه من العافية ما يعينه على ابتسامة الترحيب.. ولما أخذ في الحديث رأيت ما راعنى إذ رأيت أن أسنانه الأمامية قد خلعت عن فكه خلعا. قال بصوت منكسر: لا تبكى يا... ونادانى بالاسم الذى كان يدللنى به منذ طفولتى. لقد كنت قد أوصيت أن أتحدث في أمور عائلية وألا أعرج بالحديث على شئون السياسة، لكن الحارس الذى صحبنى هاله ما رأى فأدار وجهه عنا تلميحا لنا بأنه لن ينصت إلى الحديث. وأشار أبى إلى بإصبعه أن أنحنى إليه، ثم همس في أذنى: ها أنت ذى تشهدين حالى يا....!! لقد جعلوا يضربوننى يوما بعد يوم فأداتهم هى التعذيب.. ومئات ممن سجنوا في الحجر المنفردة ههنا يجلدون بالقطائل. أو هم يوضعون في غرف هى الجليد في بردها. لقد ضربونى في غير رحمة لأسمى لهم شركائى في المؤامرة. فماذا أقول إن لم تكن هناك مؤامرة؟ لم يكن هناك مؤامرة إلا في خيالهم الجامح.. إنهم بمثابة من يرى أشباحا. لطالما تمنيت أن يكون هناك ما أعترف به،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت