وإنه ليكفى أن يشيع عنك فلان عن فلان تلميحا خفيفا يفيد"انحرافك"عن جادة الولاء الخالص لكى تورد مورد الهلاك. بل إن أخص خصائص الحياة الداخلية لمن وقع عليه التطهير، وما يدور في رأسه من خواطر في كل الشئون كائنة ما كانت. مستهدف لهجمات الناس علانية دون أن يروا في ذلك ما يعاب. وكانت إجراءات التحقيق تحتوى على أفظع الفظائع التى عرفت في حمل المتهم على الاعتراف، وفى جعله عرضة لشهادة الزور، وفريسة لألوان التعذيب على أيدى الشيوعيين. أما الفريسة القنيصة فقد كانت ترى ـ وقت المحاكمة ـ محنة رهيبة. وأما النظارة فكانوا في أغلب الأحيان كأنما يشاهدون مسرحا لترويض الوحوش. وكان حضور هذه المحاكمات خلال أسابيع التطهير كلها إلزاما محتوما على كل من ينتمى للحزب، وأما من ليسوا في الحزب أعضاء فيغرونهم بالحضور بشتى وسائل التشجيع. ولم يكن أحد من الشيوعيين ليخطر قبل محاكمته بالتهم التى يكون في النية توجيهها إليه. فكانت هذه القلقلة أشد ما يحرج الصدر من عناصر المأساة. إذا كان عليك أن تتحمس طريقك في الظلام لتكون على أهبة لما عسى أن يفجأك من مباغتات فتستعرض ماضيك مرة بعد مرة متسائلا: ترى من أين يأتى الخطر؟ ألم يحدث مرة أنك أفرطت في الحديث ذات مساء منذ ثلاثة أعوام مدفوعا في حديثك بما بعثته روح الزمالة في نفسك من طمأنينة؟. فقد يكون واحدا من هؤلاء الزملاء ـ الذين ركنت إلى حسن طويتهم ـ وشى بك منبئا بما أفرطت به من ملاحظات. وطبيعى أن تكون ألوف الشرطة السرية والعلنية هى القوائم التى يعتمد عليها هذا النظام. وتلك حال ينتفى معها الأمان وتتلاشى الطمأنينة! فنصف الأمة جاسوس على نصفها الآخر! ويكفى أن يتنفس امرؤ بكلمة لا تعجب حتى تحسب عليه وربما كانت القاضية..!! وقد تستغل عثرة العاثر، أو حاجة المحتاج ليكون عينا على من حوله وإلا.... فالويل له. جاء في كتاب"آثرت الحرية"على لسان فتاة اعتقل أبوها وكان أستاذا كبيرا في الجامعة