وأمران آخران نذكرهما في هذا المجال. الإسلام دين ودولة. وفى صدر تاريخه كان الحكم في يد العرب وذلك أمر لا غرابة فيه إذ هم أصحاب الرسالة الذين بذلوا التضحيات الغالية في سبيل حمايتها وازدهارها.. ولما كانت هناك أجناس راقية ارتضت الإسلام دينا، ولم تر نفسها دون العرب قدرة على أداء حق الله وخدمة دينه، فقد توفرت على النواحى الثقافية وبرزت فيها. وقد ذوب الإسلام في حضارته الفوارق الجنسية، فتآخت مواهب كثيرة وخصائص عالية على إعلاء شأنه وتعميق مدنيته. (و في ذلك فليتنافس المتنافسون) ثم انتقل الحكم إلى أجناس غير عربية لأسباب شتى. وكان حق الإسلام على العرب إذا فقدوا الصدارة السياسية ألا يفقدوا السيادة العلمية. كان يجب عليهم أن يشتغلوا بفنون الثقافة الإسلامية. وأن يتوفروا على توسيع دائرة الدعوة بطريقتى التعريب والترجمة. وأن ينسابوا في أرجاء الهند والصين والقوقاز والتركستان وجنوب البلقان ووسط أوروبا. الخ. لكن الذى حدث أن العرب قصروا وتخاذلوا.. وأن الترك الذين حكموا الأمة الإسلامية لم يؤازر نشاطهم العسكرى فتح علمى ومدد روحى..!! فإذا الدفعة الأدبية الأولى النابعة من إخلاص السلف وكفايتهم تتلاشى كما تتلاشى الموجة على رمال الشاطئ. وإذا المسلمون المبعثرون في القارات الثلاث ينفرط عقدهم وتتناكر أنفسهم، ويحيون بلا إمامة روحية ولا ثقافة عقلية، ولا روابط إدارية، ولا وحدة جامعة. وتحركت الصليبية كما ذكرنا لتثأر لهزيمتها الأولى. 094