وبناء عليه ، فالمطالبة بإقامة نظام ديمقراطي في بلاد المسلمين تقتضي بالضرورة جعل الحرية الفردية والتعددية قواعد تبنى عليها الحياة السياسية في الدولة ، مما يؤدي إلى تناقض بين الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في واقع الحياة وإقامة القواعد الديمقراطية . وأسوق مثالًا يوضح الأمر وهو الذي أشار إليه حيدر علي ، وهو المتعلق بحد الردة ، فالردة حدها القتل لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) :"من بدل دينه فاقتلوه"ولكن قتل المرتد يعارض حرية العقيدة والرأي التي يقوم عليها النظام الديمقراطي ، لأن الدين ينظر إليه على أنه مسألة شخصية فردية خاصة ، والنظام الديمقراطي قائم على حيادية الدولة تجاه العقائد والأخلاق .
وهنا يكون المسلم أمام خيارين: فإما أن يطبق حد الردة على المرتد عن دينه من العلمانيين والشيوعيين وغيرهم ممن ينكر أحكام الإسلام ، أو يدعو إلى ما يناقضها ويخرج بذلك عن كونه ديمقراطيًا يؤمن بالحرية . أو يتبنى الديمقراطية كقاعدة ، ويطوع أو يلغي الأحكام الشرعية المعارضة في نظر الآخرين لأحكام الحرية والتعددية الفكرية ؛ فيجعل الردة حقًا من حقوق الإنسان وحرية يجب صيانتها ؟!
فهذا كاتب معروف يقول:"فأنا لست مع إقامة حد الردة على من يرتد عن الإسلام"ويجعل - كذلك - اختيار الدين نوعًا من الاختيار الفردي بقوله:"أيضًا إذا بدا لإنسان أن يعتنق النصرانية مثلاُ ، فهذا لون من الاختيار يستوجب منا الحوار مع هذا الإنسان"!
ومن ثم ، فقيام الديمقراطية ـ كما يشير داريوش شايغان ـ يتطلب علمنة العقول والمؤسسات ، أي أن من شروط قيام الديمقراطية تبني العلمانية التي تعني الاعتراف بحرية العقائد والأيدلوجيات ، والسماح لها بالدعوة إلى ما تؤمن به ، من منطلق حقها المطلق في الوجود ، وفي الإيمان والدعوة إلى ما تؤمن به . وقد أشار منصور الكيخيا إلى أن قيام الديمقراطية ونجاحها يتوقف على تبني العلمانية ،"أي الاعتراف بحرية جميع العقائد والأيدلوجيات والتعايش السلمي بينها ، وإحلال الحوار بينها بدلًا من قمعها".