الصفحة 71 من 102

الديمقراطية اسم لا حقيقة له

د جعفر شيخ إدريس

( لم تجد الديمقراطية في تاريخها كله رواجًا مثلما وجدت في عصرنا هذا: لقد كان معظم المفكرين الغربيين منذ عهد اليونان كثيري النقد لها ، بل ورفضها ، حتى إن أحد الفلاسفة البريطانيين المعاصرين ليقول: إذا حكمنا على الديمقراطية حكمًا ديمقراطيًا بعدد من معها وعدد من ضدها من المفكرين لكانت هي الخاسرة .

أما في عصرنا فإن الدعاية الواسعة لها أعمت كثيرًا من الناس . لا سيما في بلادنا ـ عن عيوبها التي يعرفها منظورها الغربيون ـ بل إن المفتونين بها المروجين لها صاروا يصورونهم كالبلسم الشافي لكل مشكلات المجتمع السياسية وغير السياسية . لذلك رأيت أن أشارك في تصحيح هذه الصورة الكاذبة ابتداء بهذا المقال الذي أرجو أن يكون فاتحة لكتاب كامل عن مشكلات الديمقراطية والبدائل الإسلامية .

أول ما يؤخذ علي الديمقراطية كونها اسمًا لا حقيقة له ، أعني أنه إذا وصف لك نظام سياسي بأنه دكتاتوري أو ديني مثلًا تصورت ما المقصود بهذه الوصف ، وكانت صورتك الذهنية هذه مطابقة للواقع الذي يوصف بهذا الوصف . ولكن ليس كذلك الآمر بالنسبة للديمقراطية ، إذا إن الديمقراطية كما يدل عليها اسمها ، وكما يعرفها كبار منريها وساستها هي حكم الشعب . لكن الصورة الواقعية لما يسمي بالديمقراطية ـ مهما كانت حسناتها أو سيئاتها ـ ليست هي حكم الشعب:

أولا: لأن مفهوم الشعب نفسه مفهوم غامض كما يرى بعض كبار منظري الديمقراطية . استمع إلى الأستاذ ( رو برت دال ) الذي ربما كان صاحب أشمل بحث أمريكي عن الديمقراطية ، وهو الذي وصف في غلاف كتابه هذا ننقل عنه بأنه"من أبرز منظري زماننا السياسيين"وأنه نال على هذا الكتاب جائزتين كبيرتين:

"إن دعاة الديمقراطية ـ بما في ذلك الفلاسفة السياسيون ـ يتميزون بكونهم يفترضون مقدمًا أن هناك شعبًا موجودًا فعلًا ، إنهم يعدون وجوده واقعياُ صنعه التاريخ ، لكن هذه الواقعية أمر مشكوك فيه ، كما كان مشكوكًا فيه في الولايات المتحدة عام 1861 م عندما حسم الأمر بالعنف لا بالرضي ولا بالإجماع . إن الافتراض بأن هناك شعباَ موجودًا ، وما يبنى على هذا الافتراض من لوازم تصير جزءًا من النظرية الديمقراطية الخيالية"

الذين أسسوا النظام الديمقراطي كانوا فئة قليلة من الناس هم الذين قرروا من الذي يستحق أن يدخل في مسمي الشعب الحاكم ومن الذي لا يستحق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت