الديمقراطية والحرية !!
حافظ صالح
( وأما من حيث الأصل الذي جعلته - الديمقراطية - أساسًا لها، وهو قولها حكم الشعب بالشعب فهذه كذبة كبرى تحكم هي على ذاتها بالكذب. فهذا قول بعيد عن الصحة تمامًا، سواء من حيث الحاكم، أو من حيث قواعد الحكم ونظمه وقوانينه، فهذه أمور تتناقض مع الواقع وتخالفه تمامًا حتى لو بنيت على الحل الوسط، أو النزول على حكم الأكثرية.
أما من حيث حكم الشعب، فإن الشعب لا يحكم ، والذي يسن الدستور ويضع التشريعات والقوانين هم فئة قليلة لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدًا من الناس، وأما من حيث الحاكم أي بالشعب، أي أن الشعب هو الذي يختار حكامه، فإن هذا القول مبني على مغالطة فظيعة. فالذي يحكم واحد أو هيئة تنفيذية لا تزيد في كل أحوالها عن مجموعة صغيرة تقوم بتنفيذ ما شرع لها من أحكام. وأما الذين اختاروا هذه الفئة فهم أقلية في المجتمع، أما تفصيل هاتين النقطتين فهو كما يلي:
فالنقطة الأولى التي تقول حكم الشعب، أي أن الشعب هو الذي يضع دستوره وقوانينه وتشريعاته فما من أحد منا إلا عاصر نشوء دول أو كيانات سياسية، أو عاش في بلد ديمقراطي تلمس بطلان هذا القول. ومع ذلك ونحن نحاكم هذه الفكرة فلا بد لنا من توضيح كيف يوضع الدستور أو تسن التشريعات.
حين نشوء دولة ما، أو وجود كيان سياسي جديد، أو إجراء تغيير أساسي في دولة من الدول بسبب انقلاب أو غيره، يعمد القائمون على هذا النشوء أو هذا التغيير إلى إيجاد هيئة مؤسسة قد تكون من كبار المحامين والحقوقيين والمشرعين في البلد ، تقوم على وضع دستور لذلك البلد، إما من بنات أفكارهم، وانطلاقًا من القواعد والأسس الموجودة في نفوسهم، وإما أن ينقلوه عن دستور أو دساتير دول أخرى مع إجراء بعض التعديلات عليه، ثم يطبق هذا الدستور على الناس، إما دون الرجوع إلى الناس، وإما بعرضه على المجلس التشريعي في ذلك البلد ليرى رأيه في تعديل بعض المواد أو إقرارها جميعها، أو بعرضه على جميع الناس. وفي كلا الحالين فإن الأغلبية العظمى من أية أمة من الأمم لا تعرف التشريع، وليس لها أدنى إطلاع على سن القوانين، ووضع الأسس لتنظيم الحياة، ولذلك فإن هذا القول -حكم الشعب- ليس له واقع إطلاقًا من حيث وضع الدستور، وهو تنظيم شكل الدولة، وأجهزتها، وصلاحيات المسؤلين فيها، وصلاحية كل جهاز، فهذه أمور تتطلب الاختصاص ولذلك فإن الأمة بمجموعها تجهل مثل هذه الأمور تمامًا كما يجهلها مجلس النواب نفسه.