النظم السياسية التي تسمى بالديمقراطية ليست هي إذن ديمقراطية بمعنى أن الحكم فيها للشعب ، وإنما هي نظم سياسية مختلفة وإن كان بينها خصائص مهمة مشتركة . فمن الخطأ إذن تعريف الديمقراطية بأنها نظام الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو غيرها من الدول الغربية . وعليه فإذا كان من حق هذه الدول أن تجتهد وتختار لنفسها ما تراه مناسبًا لها من تفاصيل المؤسسات والقيم السياسية ، مع أنها جميعًا تتسمى بالديمقراطية ، أفلا يكون من حقنا أيضًا أن نختار من المبادئ والقيم السياسية ما نراه مناسبًا لهويتنا وواقعتا ووسيلة أحسن لتحقيق أهدافها ، سواء كان فيه ما يشابه النظم الديمقراطية أو يخالفها ؟ بلي ! بل إن هذا لهو المسلك الطبيعي لكل أمة تقضي بعقلها وتحترم نفسها وتعتز بهويتها وأصالها .
وعليه فإذا أرادت دولة من دولنا أن تختار لنفسها نظامًا تراه معبرًا عن هويتها ومناسبًا لعصرها ، فيجب أن تبدأ بتقرير المبادئ والقيم التي تريد للدولة أن تلتزم بها ، ثم تبحث بعد ذلك عن المؤسسات المناسبة لعصرها وظروفها التي يمكن أن تحمل تلك القيم وتعبر عنها . يمكنها مثلاُ أن تقول إنها تريد لدولتها أن تمييز بخصائص منها اختيار الأمة لحاكمها ، وسيادة حكم القانون ، وحرية الرأي ، وأن يكون كل هذا في نطاق ما تؤمن به من منهج في الحياة لا يلزم أن يكون مماثلاُ لمناهج الحياة الغربية . فإذا كانت أمة مسلمة جعلت كل ذلك في نطاق هدي الكتاب والسنة ، وأضافت اإليه أمورًا مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمحافظة على الدين والدفاع عنه ، وهكذا . إنه لا يلزم من موافقة الديمقراطية الليبرالية الغربية في بعض الجزئيات أن يأخذ الموافق سائر ما فيها ، أو أن يتبنى فلسفتها ، أو يتسمى باسمها . ثم إن ما في الديمقراطية من حسنات ليس خاصًا بها ولا مرتبطًا بها ، بل يمكن أن تخلو هي منه كما يمكن أن يوجد في غيرها ، بل قد وجد الكثير منه حتى في حياة جاهليتها العربية ! لكن المجال الآن ليس مجال التوسع في هذا الأمر ) .
( مجلة البيان ، العدد 196 ) .