والأمثلة كثيرة على تضليل البرامج الحزبية المنشورة للناس وبعدها عن الواقع والتطبيق، ولو أن أقل القليل مما وعدت به برامج الأحزاب قد حققته هذه الأحزاب وهي في مواقع السلطة لما احتاج الدعاة اليوم للمطالبة بأي إصلاح للأحوال!! ألم تصل الكثير من الأحزاب الديمقراطية الشعبية الخ... هذه التي دعا إلى تكوينها الرزاز وغيره إلى سدة الحكم؟ ألم يشغل مفكرو هذه الأحزاب ومنذ تلامذة الأفغاني أمثال عبده وقاسم أمين ولطفي السيد وسعد زغلول وبعدهم طه حسين وكثير غيرهم حتى يومنا هذا مناصب فكرية وسياسية واقتصادية وتربوية الخ... وسيطروا على ساحة الفكر والسياسة معًا؟ فهل حققوا برامجهم وشعاراتهم ووضعوها موضع التنفيذ؟ ألم يهدر هؤلاء الدعاة الحرية قبل غيرهم؟ ألم يطأوا بأقدامهم الثقيلة على صدور أفراد هذه الأمة -المبتلاة بهم- حتى لا يتنفسوا إلا بمقدار ما يسمحوا لهم به؟ مما جعل الأستاذ فتحي رضوان -رحمه الله- يصيح بعدد من المفكرين المتباكين على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد العربية، الذين اجتمعوا في ليماسول في قبرص ليتدارسوا ما آلت إليه أحوال الأمة، وبعد أن ذكرهم بملاحم التضحية والفداء التي سيطرتها أجيال سابقة من أبناء الأمة: اتهمهم بقتل الحريات وانتهاك حقوق الإنسان لأنهم عندما كانوا في مقاعد السلطة نسوا وتناسوا حقوق الإنسان لمعارضيهم وشاركوا في انتهاكها (1) .
والآن وبعد أكثر من مائة عام على بداية الدعوة للديمقراطية وحرية الفكر على الطريقة الأوروبية وبعد أكثر من أربعين عامًا على دعوة الرزاز أعلاه، سيطر خلالها الدعاة أنفسهم على الساحة بكل ما فيها، فكريًا وسياسيًا، ماذا تحقق للمواطن العربي من الديمقراطية والحرية؟ ماذا حصل من حقوق؟ ألم تهدر حقوقه بأكثر مما كان يحدث قبل الدعوات؟
الآن وبعد أكثر من مائة عام على دعوة الديمقراطية والحرية وفي عام 1989 يشهد مجلس الشعب المصري صدامًا عنيفًا بين نواب الأغلبية والمعارضة تحول إلى اشتباك بالأيدي (2) ، وفيه حاول وزير الداخلية ضرب النائب!!! من كثرة الديمقراطية والحرية الفكرية! والثقافة الحوارية !! ) .
(1) …انظر المنتدى العدد 44 المجلد الرابع إيار - مايو 1989.
(2) …جريدة الرأي الأردنية في 21/2/1989.