فأهل العلم قد نصحوا الحسين - رضي الله عنه - مخافة أن يقتل، ولو كانوا يرون الخروج حرام قطعًا لذكروا له الدليل وأمروه بعدم الخروج، ولكن كانت نصيحة يريدون منها المصلحة حسب ما رأوها، وأما الحسين - رضي الله عنه - قرر الخروج لظنه أن المصلحة في الخروج.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي: ولا نرى الخروج على أئمّتنا ولا ولاة أمرنا و إن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضةً، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة [1] . وهذا لا يمثل رأي الأحناف لأنه المشهور من مذهب أبو حنيفة الخروج على أئمة الجور، وقد رد الإمام الجصاص على الطحاوي في هذه المسألة، يقول الإمام الجصاص وهومن أئمة المذهب الحنفي، وقد توفي بعد الإمام الطحاوي بحوالي خمسين عامًا: وكان مذهبه رحمه الله (أي الإمام أبي حنيفة) مشهورًا في قتال الظلمة وأئمة الجور [2] (وسنذكر كلام الجصاص كاملًا في المطلب القادم إن شاء الله) . فمن أين للطحاوي - رحمه الله - هذه العقيدة التي خالف بها عقيدة إمام المذهب أبي حنيفة وما الشيء الذي جعله يخالف إمام المذهب.
قال أبي الحسن الأشعري: و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لايخرجوا عليهم بالسيف [3] .
وقال الإمام البزدوي: إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم [4] .
قال الباقلاني: بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه بغصب الأموال، و ضرب الأبشار، و تناول النفوس المحرّمة، و تضييع الحقوق، و تعطيل الحدود. لاينخلع بهذه الامور ولا يجب الخروج عليه، بل يجب و عظه و تخويفه، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله [5] .
قال الإمام النووي رحمه الله:"وأما الخروج على أئمة الجور وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان"
(1) - العقيدة الطحاوية.
(2) - أحكام القرآن للجصاص 61
(3) - مقالات الإسلاميين 323.
(4) - أصول الدين 190.
(5) - التمهيد 186.