عليه، لأنَّ في الخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقةَ الدماء، وشنَّ الغارات، والفساد في الأرض، وهذا أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والنظر يشهد أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك، وأجمع العلماء على أن من أمر بمنكرٍ، فلا يطاع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق) ، قال اللهُ تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {المائدة: (2) } . انتهى
فإذا عرفت هذا، تبيّن لك أنهم لا يعيبون على مَن خرج على الظلمة، لأن جوازه منصوص عليه في كتب فقههم، ولو كان محرمًا عندهم قطعًا، لم يختلفوا فيه، ويجعلوه أحد الوجوه في مذهبهم الذي يحل للمفتي أن يفتي به، وللمستفتي أن يعمل به، كما أنه ليس لهم وجه في جواز شيءٍ من الكبائر، ولا شك أن كل مسألةٍ لهم فيها قولان أو وجهان أنهم لا يحرمونَ فعل أحدهما، ولا يجرحون من فعله مستحلًا له، ولا يفسقونه بذلك، وهذا يعرفه المبتدئ في العلم، كيف المنتهي؟!
فصل في بيان أن من منع الخروج على الظلمة استثنى من ذلك من فحش ظلمه، وعظمت المفسدة بولايته، مثل يزيد والحجاج، فلم يقل أحد ممن يعتد به بإمامة من هذا حاله، وإن ظن ذلك من لم يبحث من ظواهر بعض إطلاقهم، فقد نصوا على بيان مرادهم، وخصوا عمومَ الفاظهم، ويظهر ذلك بذكر ما أمكن من نصوصهم.
قال إمام مذهب الشافعية الجويني - وقد ذكر أن الإمامَ لا ينعزل بالفسق - ما لفظه: وهذا في نادر الفسق، فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق، وارتفعت الصيانةُ، ووضحَت الخيانةُ، فلا بدَّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم، فإن أمكن كف يده، وتولية غيره بالصفات المعتبرة، فالبدار البدار، وإن لم يمكن ذلك لاستظهاره بالشوكة إلا بإراقة الدماء، ومصادمة الأهوال، فالوجه أن يقاس ما الناس مندفعون إليه، مبتلونَ به بما يعرض وقوعه، فإن كانَ الواقع الناجز أكثر مما يتَوقَع، فيجب احتمال المتوقع، وإلا فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الصبر والابتهال إلى الله تعالى. انتهى
قال ابن حزمٍ في (الإجماع) : ورأيت لبعض من نصب نفسه للإمامة والكلام في الدين، فصولًا، ذكر فيها الإجماع، فأتى فيها بكلام، لو سكت عنه، لكان أسلمَ له في أخراه، بل الخرس كانَ أسلمَ له، وهو