ابن مجاهد البصري المتكلم الطائي، لا المقرئ، فإنه ادعى فيه الإجماعَ أنهم أجمعوا على أنه لا يُخرج على أئمة الجور، فاستعظمت ذلك، ولعمري إنه لعظيم أن يكون قد علمَ أن مخالف الإجماع كافر، فيلقي هذا إلى الناس، وقد علمَ أن أفاضل الصحابة وبقية السلف يومَ الحرَّةِ خرجوا على يزيد بن معاوية، وأن ابن الزبير ومن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه، وأن الحسينَ بن عليٍّ ومن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضًا، رضي الله عن الخارجين عليه، ولعن قَتَلَتَهم، وأن الحسن البصري وأكابر التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم، أترى هؤلاء كفروا؟ بل واللهِ من كفرهم، فهو أحق بالكفر منهم، ولعمري لو كان اختلافًا - يخفى - لعذرناه، ولكنه مشهور يعرفه أكثر من في الأسواق، والمخدَّراتُ في خدورهنَّ لاشتهاره، ولكن يحق على المرء أن يَخطِمَ كلامه ويزُمَّه إلا بعد تحقيق وميزٍ، ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد، وأن كلام المرء محسوب مكتوب مسؤول عنه يومَ القيامة مقلدًا أجر من اتبعه عليه أو وزرَه. انتهى
وممن أنكر على ابنِ المجاهدِ دعوى الإجماع في هذه المسألة: القاضي عياض المالكي، فقال: وردَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسين بن علي رضي الله عنه، وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أُميَّة، وقيام جماعةٍ عظيمةٍ من التابعين، والصدرِ الأول على الحجاج مع ابن الأشعث .. وتأول هذا القائل قولَه: (ألا ننازع الأمرَ أهلَه) على أئمة العدل .. وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجّاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غير من الشرع، وأظهر من الكفر. انتهى
احتج البعض على جواز الخروج على الظَّلَمة مطلقًا، وقصره الآخرون على من فحش ظلمه وغير الشرعَ، ولَم يقل أحد منهم: إن يزيد مصيب، والحسين باغٍ .. ولا أعلم لأحدٍ من المسلمين كلامًا في تحسين قتل الحسين رضي الله عنه، ومن ادّعى ذلك على مسلم، لَم يصدق، ومَن صح ذلك عنه، فليس من الإسلام في شيءٍ" [1] . انتهى"
وكما هو واضح جلي كلام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني - رحمه الله - أن الخروج على الظلمة من أقوال أهل السنة لأنه منصوص عليه في كتب الفقه وقال به كبار الأئمة والفقهاء من المذاهب الأربعة. فالعجب كل العجب من كهنة حكام عصرنا أن يشنعوا على من يقول بالخروج على أولياء نعمتهم المبدلين
(1) - العواصم والقواصم الجزء 8 ص 12 وما بعده، ط 3 مؤسسة الرسالة 1415.