فهرس الكتاب
ثم بعد ذلك يُفصِّل في هذا، والمسألة كما ترون فيها تفصيلٌ في قضية ما يحتاجه الناس وما لا يحتاجون.
ثم يقول في المقدمة الثامنة:
"الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا؛ أَعْنِي الذي مدح الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أهلهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، هُوَ الْعِلْمُ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ، الَّذِي لَا يُخلي صَاحِبَهُ جَارِيًا مَعَ هَوَاهُ كَيْفَمَا كَانَ"
إذن العلم الممدوح هو العلم الذي يضبط حركة المكلَّف بحيث لا يجعله جاريًا مع هواه ويفعل ما يريد.
"بَلْ هُوَ الْمُقَيِّدُ لِصَاحِبِهِ بِمُقْتَضَاهُ"
هنا ترون الفارق ما بين شريعةٍ جاءت لتحقيق الأهواء وشريعةٍ جاءت لتقييد حركة الإنسان، فهي تكليف، فمن أراد أن يقدم الشريعة على أنها إعطاء الهوى للسائل بحسب ما يريد فهذا ليس موافقًا للشريعة، مثل هؤلاء المفتين الذين يبحثون عن الأسهل الذي يحقق هوى السائل ويسمونه في هذا الزمن كذبًا بـ"التيسير"، وإنما هو حقيقته إسقاط التكاليف.
يقول:"بَلْ هُوَ الْمُقَيِّدُ لِصَاحِبِهِ بِمُقْتَضَاهُ، الْحَامِلُ لَهُ عَلَى قَوَانِينِهِ طَوْعًا أو كَرْهًا، وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ أهل الْعِلْمِ فِي طَلَبِهِ وَتَحْصِيلِهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِب."
الْمَرْتَبَةُ الْأولَى:
الطَّالِبُونَ لَهُ وَلَمَّا يَحْصُلُوا عَلَى كَمَالِهِ بَعْدُ، وَإنما هُمْ فِي طَلَبِهِ فِي رُتْبَةِ التَّقْلِيدِ، فَهَؤُلَاءِ إذا دَخَلُوا فِي الْعَمَلِ بِهِ؛ فَبِمُقْتَضَى الحَمل التَّكْلِيفِيِّ، وَالْحَثِّ التَّرْغِيبِيِّ وَالتَّرْهِيبِيِّ، وَعَلَى مِقْدَارِ شِدَّةِ التَّصْدِيقِ يَخِفُّ ثِقَلُ التَّكْلِيفِ""
بمقدار صدق المرء و إيقانه بموعود اللهِ -عز وجل- يصبح التكليف سهلًا على الإنسان.
"فَلَا يكتفي العلم ههنا بِالْحَمْلِ دُونَ أَمْرٍ آخر خَارِجَ مَقُولِهِ"
يعني ليس الباعث على العمل هو العلم فقط، إنما هو أمرٌ آخرٌ خارج العلم وهو التصديق، الإيمان.
"مِنْ زَجْرٍ، أو قِصَاصٍ، أو حَدٍّ، أو تَعْزِيرٍ، أو مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى، وَلَا احْتِيَاجَ ههنا إلى إِقَامَةِ بُرْهَانٍ عَلَى ذَلِكَ؛ إِذِ التَّجْرِبَةُ الْجَارِيَةُ فِي الْخَلْقِ قَدْ أَعْطَتْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ بُرْهَانًا لَا يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ."
وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: