الصفحة 106 من 166

الْوَاقِفُونَ مِنْهُ عَلَى بَرَاهِينِهِ، ارْتِفَاعًا عن حضيض التقليد الْمُجَرَّدِ، وَاسْتِبْصَارًا فِيهِ، حَسْبَمَا أَعْطَاهُ شَاهِدُ النَّقْلِ، الَّذِي يصدِّقه الْعَقْلُ تَصْدِيقًا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ""

المرتبة الثانية: الذين وقفوا على الأدلة التي زادتهم إيمانًا وزادتهم برهانًا.

"إِلَّا أَنَّهُ بَعْدُ مَنْسُوبٌ إلى الْعَقْلِ لَا إلى النَّفْسِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يصِر كَالْوَصْفِ الثَّابِتِ لِلْإِنْسَانِ، وَإنما هُوَ كَالْأَشْيَاءِ الْمُكْتَسَبَةِ".

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ:

"الَّذِينَ صَارَ لَهُمُ الْعِلْمُ وَصْفًا مِنَ الْأوصَافِ الثَّابِتَةِ"

يعني اختلط العلم بهم فصار لهم وصفًا من الأوصاف الثابتة.

"بِمَثَابَةِ الْأُمُورِ الْبَدِيهِيَّةِ فِي الْمَعْقُولَاتِ الْأولِ، أو تُقاربها، وَلَا يُنظر إلى طريق حصولها؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحتاج إِلَيْهِ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُخليهم الْعِلْمُ وَأَهْوَاءَهُمْ إذا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، بَلْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ رُجُوعَهُمْ إلى دَوَاعِيهِمُ الْبَشَرِيَّةِ، وَأوصَافِهِمُ الْخُلُقِيَّةِ".

هنا صار لهم العلم وصفًا ثابتًا ولا يُبحث من أين أخذوه، ما دام أنه تحقّق وجود العلم، كيف حصلت الوسيلة؟ هذا لا يُبحث، حيث يقول هنا:"بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأُوَل"؛ فصار أمرًا ثابتًا لهم وجزءً منهم، لا يُبحث عمّا قبله ولا يُنظر إلى طريق حصوله، فإن ذلك لا يُحتاج إليه؛"فَهَؤُلَاءِ لَا يُخليهم الْعِلْمُ وَأَهْوَاءَهُمْ إذا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، بَلْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ رُجُوعَهُمْ إلى دَوَاعِيهِمُ الْبَشَرِيَّةِ، وَأوصَافِهِمُ الْخُلُقِيَّةِ"؛ فيصبح وصفًا لازمًا لهم.

ويقول هنا -حتى تروا- هل هذا تعارض؟ سنرى، سنرجع إلى قضية هناك أمورٌ من مُلَح العلم.

إذن هو يقول لنا أن هناك ناسٌ يطلبون العلم ولا يصلون، وأناسٌ وصلوا أخذوا منه براهينه ولكنهم لم يصلوا إلى المرتبة العالية، فهي المرتبة الوسطية، وأناس قد تحقّق فيهم العلم فصار وصفًا لازمًا لهم.

وبلا شك أن هذه المرتبة ليست بمعنى"الحديّة"التي ترونها موجودة، فإن المرء قد ينتقل من الأولى للثانية للثالثة بحسب المسألة المعروضة عليه، وبحسب حاله واضطرابه، وبحسب طاعته لله وقربه منه، ظروفه قد تجعله مرةً في المرتبة الأولى ومرةً في الثانية ومرةً في الثالثة بحسب الأحوال.

لكن هنا يضع لنا الشيخ مقدمةً من الأهمية بمكان أن نقرأها، وهي المقدمة الثانية عشرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت