الصفحة 107 من 166

"مِنْ أَنْفَعِ طُرُقِ الْعِلْمِ الْمُوَصِّلَةِ إلى غَايةِ التَّحَقُّقِ بِهِ أَخْذُهُ عَنْ أهلهِ الْمُتَحَقِّقِينَ بِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ."

يتكلم الآن عن الوسيلة.

"وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنسَانَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، ثُمَّ عَلَّمَهُ وَبَصَّرَهُ، وَهَدَاهُ طُرُقَ مَصْلَحَتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ غَيْرَ أَنَّ مَا عَلَّمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ"

يعني كـ {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} ، وكذلك هو في أصله.

"عَلَّمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ ضَرْبٌ مِنْهَا ضَرُورِيٌّ، دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مِنْ أينَ وَلَا كَيْفَ"

فهناك علوم تحصل عنده من غير تعلّم، إنما هي شيءُ اكتسبه كونه ضروريًا له، كأكله ومعرفته ما يؤكل وما لا يؤكل، فلا نرى أحدًا يمسك حجرًا ويضعه في فمه.

"بَلْ هُوَ مَغْرُوزٌ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَالْتِقَامِهِ الثَّدْيَ وَمَصِّهِ لَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَطْنِ إلى الدُّنْيَا -هَذَا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَكَعِلْمِهِ بِوُجُودِهِ، وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ- مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْقُولَاتِ."

وَضَرْبٌ مِنْهَا بِوَسَاطَةِ التَّعْلِيمِ، شَعَرَ بِذَلِكَ أو لَا؛ كَوُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الضَّرُورِيَّةِ، نَحْوِ مُحَاكَاةِ الْأَصْوَاتِ، وَالنُّطْقِ بِالْكَلِمَاتِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَكَالْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي لِلْعَقْلِ فِي تَحْصِيلِهَا مَجَالٌ وَنَظَرٌ في المعقولات.

وَكَلَامُنَا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلى نَظَرٍ وَتَبَصُّرٍ""

فلا نتكلم هنا في قضية أخذ العلم من أهله المتبصرّين، هذا في الباب الأول، أما هنا فعن الذي تعلّمه من باب الضرورة.

"فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَلِّمٍ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ دُونَ مُعَلِّمٍ أَمْ لَا؟"

الحديث: (إنما العلم بالتعلم) هو أساس قاعدة"العلم لا يحصل إلا بالتعلّم"، هذا هو القول الصحيح، ولكن هل معنى ذلك أنه إذا أخذ قواعد العلم والتعلم لا يحصل شيءٌ إلا عن طريق التعلم؟ أم أن هنالك طرقًا أخرى تحصل لديه؟ نعم تحصل لديه عن طريق النظر، أو عن طريق أن يفتح اللهُ عليه كما في حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لكَمِيل بن زياد -رحمه الله- عندما قال له:"هل خصّكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيء؟ فقال:"لا والذي فَلَق الحَبَّ وبَرء النسمة ما خصّنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيء إلا هذه الصحيفة، وفهمًا آتاه الله -عز وجل- عبدًا من عبيده"؛ إذن اللهُ -عز وجل- يفتح على الإنسان بالتعلم، والآية التي يحتجّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت