فهرس الكتاب
بها الصوفية والذين يبحثون عن العلم بغير التعليم: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة:282] ليس معنى"وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ"أنها نتيجةٌ لحصول التقوى، إنما هي: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ؛ فمطلوبٌ منك أن تتقي اللهَ ومطلوبٌ منك أن تتعلّم، وإنما تحصل التقوى من الله ويحصل العلم من الله، فلو منعك إياه؛ لو سلكت كل الطرق وبذلت كل الجهود ما وصلت إليه.
"هَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ دُونَ مُعَلِّمٍ أَمْ لَا؟ فَالْإِمْكَانُ مُسَلَّمٌ"
فممكن أن يحصِّل المرء علمًا بدون معلم، فإمكان ذلك مُسَلَّمٌ فيه.
"ولكن الواقع في مجاري العادات أنْ لا بد مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ؛ كَاخْتِلَافِ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ وَالإماميَّةِ -وَهُمُ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ الْمَعْصُومَ- وَالْحَقُّ مَعَ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ الَّذِي لَا يَشْتَرِطُ الْعِصْمَةَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالأنبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-".
فالعصمة مختصّة بالأنبياء، والمقصود بها هنا العصمة في التبليغ، هذا المُجمع عليه.
"وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَهُمْ مُقِرُّونَ بِافْتِقَارِ الْجَاهل إلى الْمُعَلِّمِ، عِلْمًا كَانَ الْمُعَلَّمُ أو عَمَلًا، وَاتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوُقُوعِ، وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ بِهِ كافٍ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ قَالُوا:"إِنَّ الْعِلْمَ كَانَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الْكُتُبِ، وَصَارَتْ مَفَاتِحُهُ بِأيدِي الرِّجَالِ"."
مسألة تحصيل العلم من الشيوخ:
هذه قضية يجب أن نفهمها لحصول الخلط فيها، وهو قولهم:"من لا شيخ له شيخه الشيطان"، أو قولهم:"من مشايخك؟"فالحقيقة أن أغلب الذين نراهم في هذا العصر يحتجّون بكلام الشاطبي يحتجّون بأنه لا يُسمى الرجل عالمًا ولا يمكن حصول العلم إلا عن طريق الشيخ، وبهذا يحصل التفاضل بين رجل ورجل بكثرة الشيوخ، فهل هي مسألةٌ مُقرَّرة؟ هل هي مسألةٌ دينيةٌ أوّلًا؟ بمعنى أن الشريعة قد جاءت بهذا بحيث قررت أن العلم ليحصل لا بد من وجود الشيخ؟ أم أن الشريعة طلبت من المرء أن يتعلم؟ وطرق التعلم -كما رأيتم-:"كان العلم في صدور الرجال فصار في الكتب".
هنا النقطة الثالثة التي سنتحدث عنها: هل بقيت مفاتح الكتب في أيدي الرجال؟ فهو يقول:"إِنَّ الْعِلْمَ كَانَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الْكُتُبِ، وَصَارَتْ مَفَاتِحُهُ بِأيدِي الرِّجَالِ"فهل في هذا الوقت الذي نعيش فيه ما زالت مفاتح الكتب في أيدي الرجال؟ أم يمكن للمرء أن يفتحها بغير أيدي الرجال؟