الصفحة 127 من 166

وقال:"ما زلت أتصدق من ذلك اليوم على ما فعلت".

هنا مسألةٌ من مسائل العمل المهمة وهي قضية التربية بالعمل والمثال، الحفظ له مراتبه ولكن من أعظم درجات الحفظ هو أن تمارس الشيء، فإذا مارسه المرء ترسّخ وضعُف اعتراء النقصان أو النسيان عليه؛ هنا عمر -رضي الله عنه- بماذا تربى؟ آية التقوى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات/1] تُربِّي، ولكنه تربى هنا بالحدث، فما نسيه. ومن ذلك قصة أبي أيوبٍ الأنصاري عندما غزا القسطنطينية تحت إمرة يزيد بن أبي سفيان فخرج رجلٌ من الصف ودخل في صف العدو، فقال الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة، ففهمها الناس على ظاهرها اللفظي فهو ألقى بنفسه إلى التهلكة؛ أي الموت، ولكن من أدرى بمعناها؟ من نزلت علي؛ لأن الحادثة تصبغ المعنى المطلوب الصحيح، فالحادثة وقعت بين أيديهم وأحسوها، خاصةً إذا كانت قد تركت آثارًا نفسيةً من ألمٍ أو فرحٍ .. إلخ، والحدث في الذهن أقوى من الكلام؛ فإذا نزلت الآية كان معناها واضحٌ أولًا، ثانيًا كانت أرسخ في الحفظ، فهي قضت على ظهور معنى الفساد في الآية. فأولئك نظروا في الآية فوجدوها على ظاهرها أنها تنطبق على هذا الرجل؛ فكيف فهمها أبو أيوب؟ هل فهمها من خلال تفسير وبيان؟ ما أعظم درجات البيان هنا؟ الواقعة؛ قال: إن هذه الآية نزلت فينا معشر الأنصار، وذكر أن التهلكة كانت بترك الجهاد والرجوع إلى الأموال والأولاد والبساتين وإصلاحها.

إذن هنا يظهر قضية التربية بالحدث والحفظ بالحدث، وهذه قضيةٌ علميةٌ مقرّرةٌ بالواقع وفي حياة الناس، والإخوة الذين أكرمهم الله -عز وجل- بالجهاد وبالأعمال يحسّون بأثر القرآن في نفوسهم أكثر، يحسون بأثر الأحاديث لو قُرئت عليهم وقصص الصحابة أكثر من الذين يعيشون في غير البيئة التي وُضعت لها؛ ولكن ليس معنى هذا أنه لا يجوز أن يتعلم الرجل حتى يعيش الحدث؟ لا، نحن نتكلم هنا عن باب الأفضلية، أفضلية الدرجات، ولكن إذا عُدمت فالمقصود تحصيل العلم، وينبغي ألا يعتري هذا التحصيل شيءٌ من الأشياء.

ونفس القضية أخذ العلم من المتحقّق في الكمال، مثلًا اشترط العلماء في القاضي أن يكون مجتهدًا، فإذا فقدنا المجتهد هل معنى هذا أنه لا يوجد قضاة؟ لا، لكن الأدنى فالأدنى حتى إذا وصل إلى رجلٍ كما يُقال"يفكّ الخط"، إذا كان أسلم الناس وأفضلهم في بيئته هو الذي يقوم بالقضاء، ولا ينبغي أن يعطَّل القضاء، ونفس القصة لو فُقد العالم التقي، هل معنى ذلك ألا نطلب العلم؟ كما يقع للأسف في نفوس كثيرٍ من الشباب أنهم من خلال كثرة نقدهم وكلامهم على المشايخ أصابهم ردة فعلٍ عكسية، وهي عدم طلب العلم والزهد فيه! حتى صار الكلام عن العلم كلامًا على العيب، وهذا ترونه في المتصوفة، وترونه في جماعة التبليغ، وصرنا نراه للأسف في داخل بيئتنا فيمن يقال لهم جماعات الجهاد!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت