الصفحة 128 من 166

عندما رأى المتصوف والزاهد في الدنيا أن العلماء يلبسون أطايب الثياب ومحاسنها ويأكلون أطايب الطعام، أدى بهم هذا إلى شتم العلم فزهدوا فيه فكانوا من أجهل الناس، وكذلك ترى من جماعة التبليغ؛ لأنهم يرون العلماء مقصرين ولا يقومون بالدعوة، فهذا أدى بهم إلى احتقار العلم والعلماء.

وفي هذه النقطة علينا أن نرجع إلى كتاب ابن الجوزي (تلبيس إبليس) في تلبيسه على العوام:

أولًا: في سبِّهم العلماء فيما لا يُسب به؛ فإذا رأوا العالم لبس ثوبًا جديدًا عدُّوه عيبًا، أو يرون عالمًا ثريًا كأنه لا يجوز للعالم أن يكون ثريًا! رغم أنه قد يكون ثريًا وقد يكون فقيرًا، وإن كان:

قيل للفقر أين أنت مقيم؟ ... قال في عمائم العلماء

إن بيني وبينهم لإخاءٌ ... وعزيزٌ عليّ ترك الإخاء

لكن من الصحابة من هو ثري، -نحن لسنا أثرياء ليس دفاعًا-، ولكن لتقرير القضايا، فإذا رأوا الرجل يهتم بمطعمه ومظهره، فهذا لا يعد عيبًا.

ثانيًا: لو افترضنا وقوع العلم فيما هو من النجاسات والقاذورات، فإذا وُجِد غيره الواجب الإعراض عنه والذهاب إلى غيره تبكيتًا له وإظهارًا للبغض له والإنكار لما يفعل، ولكن إن لم يوجد إلا هو فنأخذ العلم منه، والأمثلة في ذلك كثيرة؛ لما مات ابن الزملكاني شيخ من شيوخ الشافعية، وقد عُلم عنه اقتراف المقذورات ويقال أنه كان يشرب الحشيش -عفا الله عنا وعنه-، وكان من أكبر الخصوم لابن تيمية، فلما مات قال ابن تيمية:"ما أصاب المسلمين بموتك يا شيخ فلان"! لأنه إمام يقوم بجانب من جوانب العلم، وهذا هو سمة الناس في ذلك الوقت، ليس سمة كل العلماء ولكنه بفقده ثُلمت ثلمة، ذهب علم من العلوم، وخاصةً في تأخر الأزمان ترون أن العلم قد اندحر، فهل معنى هذا ألا تطلب العلم إلا من مثل أبي بكر وعمر؟ فإذا تنازلت قليلًا أخذت العلم عمَّن مثل أحمد؟ فاجلس في بيتك وفي النهاية أنت الذي ستخسر، وقد ضربنا مثالًا في الخطيب البغدادي عندما كان يعيب عليه بعضهم، فما علاقة الحديث بالبدعة؟ الحديث له الرواية فما ضر بدعته؟ وإن كان الأولى:"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".

فهذه نقطة مهمة في هذا الزمان لكثرة انتقاد العلماء فيما صح وما لا يصح، فهذا أدى بهم إلى ترك العلم والزهد به، كما قد يدخل أحدهم ويقول: ماذا نفعت هذه الكتب؟ كما يقول بعضهم: إن رصاصة واحدة تستطيع أن تخترق خمسين مجلدًا! لولا هذه المجلدات لقتلنا بالرصاصة المسلمين وتركنا أهل الأوثان والشرك، هذه هي الكتب هي التي فيها العلم وتقيد حركة الرصاصة بل تقيد بها حركة الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت